نتائج عكسية لتماهي سياسات نقد الخليج مع أمريكا
كتب م. ر. راجو، عضو معهد المحللين الماليين المعتمدين، وعضو ومؤسس جمعية المحلليين الماليين المعتمدين في الكويت مقالاً عن حاجة مجلس التعاون الخليجي إلى سياسة نقدية مستقلة، وقال: عادةً ما تركز المواضيع المنشورة في الملاحق الاقتصادية من صحف دول مجلس التعاون الخليجي باستمرار تقريباً على قضايا أمثال الميزانية والعجوزات والدعم والاستثمار وغيرها. وفي المقابل، تركز الصحف الأميركية بشكل أكبر على التكَهُّن بالخطوة التالية لبنك الاحتياط الفدرالي الأميركي. وتتحرك الأسواق المالية العالمية على إيقاع إجراءات ذلك البنك وتسعى بالتالي وباستمرار للتكهُّن بالإجراء التالي الذي سوف يتخذه.
وتُمضي دول مجلس التعاون الخليجي معظم وقتها في بحث القضايا المالية لأنها سلَّمت في واقع الأمر مسؤولية سياساتها النقدية لبنك الاحتياط الفدرالي الأميركي لتصبح بالتالي مضطرة لمحاكاة سياساته بغض النظر عن موجِبات اقتصاداتها المحلية. ولحسن الحظ نجحت هذه السياسة بشكل جيد نسبياً لمعظم الوقت، حيث تماشت دورات الأعمال والدورات الاقتصادية للجانبين مع بعضها بعض بشكل أو بآخر. إضافة إلى ذلك، سمحت قوة أسعار النفط طوال تلك الفترة لحكومات دول مجلس التعاون الخليجي بتكوين احتياطيات معقولة تصدَّت للتحديات التي ضغطت من وقت لآخر على عملاتها المرتبطة بأسعار صرف الدولار الأميركي.
إلا أن هذا السيناريو تغيَّر نتيجة التدهور الحاد الأخير في أسعار وعائدات النفط (التي تعتمد عليها ميزانيات دول مجلس التعاون الخليجي بشكل كبير) والاجماع شبه التام على استمرار بقاء أسعار النفط منخفضة لمدة طويلة. ونظراً لارتفاع سعر تعادل النفط واستمرار ارتفاعه (سعر النفط المطلوب لتوازن الميزانيات)، فسوف تضطر حكومات دول مجلس التعاون الخليجي إما لسحب الأموال من احتياطياتها بوتيرة أسرع أو للاقتراض لسد عجوزات ميزانياتها. ونظراً لكون تلك الدول تعتمد نموذج الرفاه الاقتصادي فسوف تكون عملية إعادة هيكلة اقتصاداتها عبر ترشيد الدعم الحكومي والتوقف عن التوظيف غير الضروري في قطاعاتها العامة بطيئة بشكل مؤلم.
وسوف تركز حكومات دول مجلس التعاون الخليجي بالتالي على تقليص حجم دورها بصفتها المستثمر الرئيسي في أسواقها وتخصص مواردها لتمويل استراتيجيات لتنويع مواردها الاقتصادية. كما يتوجب عليها تشجيع القطاع الخاص على لعب دور أكبر في عملية التنويع، وبصفة خاصة في قطاعات معيَّنة تضطر الحكومات لتخصيص مبالغ ورؤوس أموال كبيرة لخدمتها أمثال الرعاية الصحية والتعليم والنقل. كما يتوجب عليها منح أولوية أكبر للبحوث والابتكار لأنها كفيلة بتسريع الانتقال من اقتصاد يعتمد على القطاع العام إلى اقتصاد يعتمد على القطاع الخاص. وبالتزامن مع حدوث هذه النقلَة، يجب أن تحظى المحافظة على بيئة مواتية للأعمال على الأولوية مقارنة مع الانفاق الحكومي. ويتوجب أيضاً تحقيق تحسن سريع في تصنيفات سهولة ممارسة الأعمال لأن اقتصادات الدول المعنية تعاني من نقص في السيولة النقدية وارتفاع في تكاليف الترسمل وتغطية المخاطر.
وفي مثل هذا السيناريو الذي يتراجع فيه الانفاق والتوظيف الحكوميان ويتصدر فيه القطاع الخاص عملية تنويع الموارد الاقتصادية، قد يؤدي استمرار انتهاج سياسات نقدية تحاكي سياسات نقدية خارجية إلى نتائج عكسية مُكلِفة. وسوف تكتسب القدرة على تحديد أسعار الفائدة قصيرة الأجل بغية التحكُّم في تكلفة الترسمل ومعدل التضخم المحليين أهمية كبيرة في سياق السعي للتحكم بالمرحلة الانتقالية. وسوف تصبح استقلالية السياسة النقدية أمراً ضرورياً للقيام بذلك، وإلا فقد يؤدي التمسُّك بربط أسعار الصرف بالدولار الأميركي الذي تُملي أسعار صرفه السياسة النقدية الأميركية وهي أسعار قد ترتفع في المستقبل، إلى احتكاكات خطرة في بيئة النمو الاقتصادي الضعيف السائدة في دول مجلس التعاون الخليجي.
كما أن استقلالية السياسة النقدية الخليجية مبرَّرَة في ظل بيئة تنفد فيها ذخائر بنك الاحتياط الفدرالي الأميركي. وذكرت مجلة الإيكونوميست الاقتصادية البريطانية أن البنك قام بتخفيض أسعار فوائده الأساسية خلال مراحل الانكماش الاقتصادي الثلاث التي شهدتها الولايات المتحدة الأميركية خلال السنوات القليلة الماضية بواقع 675 نقطة أساس و550 نقطة أساس و512 نقطة أساس على التوالي. إلا أن ما تجدر الإشارة إليه يتمثل في المدة الزمنية التي استغرقتها العودة إلى مستويات أسعار الفائدة الطبيعية. فقد احتاج البنك إلى عامين ونصف العام وثلاثة أعوام على التوالي للعودة إلى الأسعار الطبيعية خلال أول مرحلتي انكماش اقتصادي. ولكن خلال أحدث انكماش اقتصادي أميركي عام 2008، احتاج البنك إلى ثمانية أعوام ولا يزال يسعى للعودة إلى الأسعار الطبيعية. وإذا حدث انكماش اقتصادي أميركي جديد لن يمتلك البنك الأدوات الضرورية للتصرف.
ويُقال بصورة عامة إنه لن يكون بالامكان تسوية المشاكل طويلة الأمد التي يرزح الاقتصاد العالمي تحت وطأتها باستخدام الأدوات النقدية قصيرة الأجل للبنك أمثال انخفاض معدلات النمو الاقتصادي ومخاوف الانكماش الاقتصادي وافتقار الشركات للثقة بآفاق نمو الاقتصاد. وسوف يفقد البنك عاجلاً أم آجلاً ولأسباب مختلفة دوره بصفته المنقذ الوحيد للأسواق المالية. وتشتمل تلك الأسباب على حقيقة بلوغ أسعار فوائد البنك قصيرة الأجل الحضيض وعجزه عن العودة إلى أسعار الفائدة الطبيعية لفترة طويلة من الزمن، إضافة إلى الطبيعة طويلة الأمد للعديد من المشاكل التي يفتقد البنك الفدرالي الأميركي للموارد اللازمة لتوفير حلول لها.
ويتضح بالتالي أن الوقت قد حان لكي تنتهج دول مجلس التعاون الخليجي إطار عمل سياسات نقدية مستقلة مشابهة لإطار عمل سياساتها المالية. وسوف تتيح تلك السياسات النقدية المستقلة لدول المجلس القدرة على تحديد أسعار الفائدة قصيرة الأجل والمساعدة في توجيه عملية الترسمل بشكل أجدى اقتصادياً، كما سوف تتيح تحكماً أفضل بمعدلات التضخم وتخفف الاحتكاك في البيئة الحافلة بالتحديات لانخفاض معدلات النمو الاقتصادي.

فضائل السياسة النقدية المستقلة

1 - قدرة على تحديد أسعار فائدة قصيرة الأجل
2 - المساعدة في توجيه عملية الترسمل بشكل أجدى
3 - إتاحة تحكم أفضل بمعدلات التضخم
4 - تخفيف الاحتكاك في البيئة الحافلة بتحديات انخفاض معدلات النمو الاقتصادي

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات