ميلتون فريدمان .. أبو العولمعة : مروج فكرة النظام الرأسمالي التنافسي ومحارب دور الحكومة في الاقتصاد
كتب مارون بدران:
في ليلة معتدلة من ليالي شنغهاي، وصل سائق التاكسي كيم يو لي الى شقته في الطابق الثامن من عمارة غطت لونها الزهري طبقة سميكة من اللون الرمادي بسبب الدخان المنبعث طوال الليل والنهار من مصانع المدينة الصينية. دخل إحدى الغرفتين المكون منهما المنزل والمخصصة للجلوس، واستلقى على اريكة تتحول سريرا للنوم بعد ساعة. كان ثقل النهار وأحاديث الزبائن الصينيين في سيارته التاكسي الصفراء يظهر على عينيه 'المشطوبتين' اللتين تكادان تنفجران من الدم والتعب.
بدأ كيم يو لي مشاهدة نشرة الاخبار على التلفزيون. المذيعة تقول: 'توفي اليوم الخميس 16 نوفمبر عام 2006 الاقتصادي الاميركي الشهير ميلتون فريدمان إثر فشل قلبي في سان فرانسيسكو عن عمر يناهز ال94 عاما...'. أراد كيم يو لي تغيير المحطة، فعالم الاقتصاد لا يعنيه كما ان الميت هو من الجهة الثانية للكرة الارضية. فجأة، 'رنت' عبارة في أذنيه وكأنها مألوفة ومألوفة جدا: 'لا يوجد شيء مثل الحصول على وجبة غداء مجانية'. لم يكن يعرف سائق التاكسي الصيني ان هذه الجملة هي احدى مقولات ميلتون فريدمان الذي غير الكثير من تفكير الحكومة الصينية في ثمانينات القرن الماضي، وغير معها الكثير من تفاصيل حياة 'سكان السور العظيم'، وحياة الدول المعاصرة. فميلتون فريدمان، واضع نظرية 'السوق الحر' ومناصر 'تقليل دور الحكومات'.. شكل العمود الفقري للتفكير الاقتصادي في القرن العشرين، ولعب دور المؤثر الابرز في كيانات الدول المالية، وروج فكرة النظام الرأسمالي التنافسي. فكان موسوعة فكرية شرحت الاقتصادين الكلي والجزئي، ووضعت مفاهيم جديدة مثل اقتصاد السوق وتحليل الاستهلاك والتاريخ النقدي وسياسات التوازن. فمن هو فريدمان وما هي نظرياته الاقتصادية وكيف استطاعت فلسفته رسم مصير شعوب كثيرة؟

ولد ميلتون فريدمان Milton Frieman في 31 يوليو عام 1912 بمدينة نيويورك، من عائلة يهودية كادحة هاجرت من النمسا والمجر، وبالتحديد من منطقة بركساز او برهوف الاوكرانية. كان الولد الرابع والاخير لوالده جينو سول فريدمان، والاول لأمه سارة اتيل لوندو. اخواته الثلاث هن: تيلي (1919)، هيلين (1920) وروث (1921).
دراسته: رياضيات وأرقام
بعد موت والده، ذهب فريدمان واهله ليعيشوا في مدينة راهوي في ولاية نيوجرسي، حيث درس الابتدائية والثانوية، وكانت الرياضيات والأرقام غرامه الأول.
تخرج حاملا شهادة الاقتصاد في جامعة روتغرز عام 1932. وبعد عام، ساعدته براعته في الإحصاءات على دراسة الماجستير في جامعة شيكاغو، وكان موضوع الرسالة 'العوامل المؤثرة في اسعار اسهم شركات السكة الحديد'. تأثر في هذه الجامعة باساتذته يعقوب فينر وفانك نايت وهنري سايمونز.
ويقول فريدمان عن هذه المرحلة من حياته: 'اثناء كساد الثلاثينات، وبالتحديد عام 1932، قررت ان اصبح اقتصاديا لأتعامل مع المشاكل الحالية، بدلا من احصائي في مجال الأرقام والرياضيات'. وعلى الرغم من نظريته بإبعاد الحكومة عن الفرد، وصف الوظيفة بانها 'أنقذت حياته'، وهو التناقض الذي ميز حياته، وحتى نظرياته عند التطبيق.
وبعد عمله في مركز الابحاث الوطني في واشنطن من عام 1935 الى 1937، اصبح فريدمان عضوا في فريق عمل المكتب الوطني للابحاث الاقتصادية في نيويورك من عام 1937 حتى 1945، ثم حاز الدكتوراه من جامعة كولومبيا عام 1946.
وتزوج ميلتون من روز ديراكتر عام .1938 ورزق بولدين: جانيت ودايفيد. وروز هي الكاتبة الثانوية لبعض كتب زوجها.عمل فريدمان بين عامي 1941 و1943 مستشارا لوزير الخزانة الاميركية في الحكومة الفدرالية، وبعد الحرب العالمية الثانية، درس في جامعة مينيسوتا، ثم عمل محاضرا في جامعة شيكاغو حتى عام 1976، واصبح عضو مجلس ادارة في مؤسسة هوفر في جامعة ستانفورد عام .1977
شهرة عالمية ونوبل
وفي الوقت الذي اكتسب فيه فريدمان شعبية عبر دول العالم كأفضل كاتب تباع كتبه في ثمانينات القرن الماضي، كانت اعماله مثل 'نظرية حول وظيفة الاستهلاك' و'حرية الاختيار' و'الرأسمالية والاقتصاد' تعد مقدسة في الأدب الاقتصادي. وما زالت حتى اليوم بعض كتبه مواد مرجعية إلزامية في الجامعات. ويقول العالم الصيني شو تشي يوان 'لقد ترك لنا فريدمان تراثا ذكيا في ما يتعلق بتناول قضايا مثل الاستهلاك وعرض النقود والتضخم والبطالة، لكنه اكثر من مجرد اقتصادي'. وأصبح برنامج فريدمان التلفزيوني حرية الاختيار Free to Choose كتابا تم تأليفه بالمشاركة مع زوجته روز فريدمان وانتشر هذا الكتاب كما انتشرت مقالاته في الصحف والمجلات.
وفاز فريدمان، الذي اثرت افكاره الاقتصادية بشكل كبير في سياسات الرئيس الاميركي الراحل رونالد ريغن ورئيسة الوزراء البريطانية السابقة مرغريت تاتشر، بجائزة نوبل للاقتصاد عام 1976 عن طروحاته في الاستهلاك والسياسة النقدية وتحرير الاسعار. دافع فريدمان عن حرية السوق في مواجهة تدخل الدولة في الاقتصاد ودعا الى تبني سياسة نقدية تتضمن نموا مطردا لمعروض النقود، وهي أفكار لعبت أدوارا محورية في فلسفات الحكم لتاتشر وريغن.
يا حكومة ابتعدي!
في كتابه 'الحرية والرأسمالية'، يحدد فريدمان الدور المناسب للحكومة ضمن نظام السوق الحر المثالي من اجل خلق الحريات السياسية والاجتماعية وصونها. ويعتبر فريدمان، احد الابطال الاقتصاديين في ستينات وسبعينات القرن العشرين، ذا ذكاء وضاح. ومع ظهور التضخم بداية السبعينات، اعاد فريدمان نظرية كم النقود حيث قال: 'يمكنك اغفال بعض الناس كل الوقت وبعض الناس بعض الوقت لكن لا يمكن اغفال كل الناس كل الوقت'. وكان المضمون العملي لفريدمان هو تصغير مجال السياسة الدورية للحكومة.
كانت مشاركات فريدمان لاعادة التفكير في التشريعات الاقتصادية مثيرة وانتهت تلك النظريات الى انه يجب على الحكومة بناء قاعدة نقدية ومعدل ضريبي ثابت لا يتغير. بمعنى آخر، ان فعالية الحكومة تربك، تخفق، وتشتت فقط. وبذلك يعمل الاقتصاد بصورة افضل من دون الفعالية في السياسة، ويقول فريدمان: 'ان القليل من جيلي سيصدقون الأداء الاقوى لهذه النظرية، لكن الحقيقة ان مهنتنا بالنظرات الكبيرة إلى الاقتصاد الكينزي بالتشكك العميق تقبل النقدية ككل وتفترض ان الحكومة لها ميل إلى أن تسيء الامور'.
فريدمان وكينز
فبينما دعا جون مينارد كينز، المعروف ك 'اعظم اقتصاديي القرن العشرين'، إلى ضرورة تنظيم الحكومة للاقتصاد بموازنة الضرائب عبر الإنفاق العام على الخدمات والقطاع العام، وهو اساس سياسة الإنفاق العام التي بدأها الرئيس الاميركي الراحل فرانكلين روزفلت والمعروفة بNew Deal ، رأى فريدمان ان تدخل الدولة او الحكومة معرقل للاقتصاد، معتبرا ان التدخل الحكومي في السوق والاسعار يؤدي الى فروض وتقييدات، لن تؤدي بدورها الى تحرك السلع والاسعار والنقود، بل الى عرقلتها واضافة كلف ليس بالضرورة وجودها، كما ان هذا التدخل يدخل عاملا جديدا هو الفساد والعمولات التي تحسب على السلع وترفع من الاسعار ليأتي التضخم بجميع اسبابه. ويؤكد فريدمان ان السوق الحرة تقوم بتنسيق نشاطات ملايين البشر، ويتم ذلك بطريقة غير شخصية كليا من خلال تسعيرة 'تركت وشأنها من دون تدخل'، وهكذا تصبح خالية من الفساد والرشاوى والنفوذ الخاص او الحاجة الى آليات سياسية.
ثورة تاتشر
وكان فريدمان مصدر إلهام لثورة مارغريت تاتشر الاقتصادية التي ركزت على الخصخصة في بريطانيا، وتخفيض الضرائب وقطع أغلال البيروقراطية التي كبلت بها الدولة رجال الأعمال والمستثمرين صغارا وكبارا، نتيجة تراكم اعوام من سياسة المدرسة الكينزية الاقتصادية. وقالت البارونة تاتشر عندما سمعت بخبر وفاته: 'أعاد فريدمان إحياء اقتصادات عصور الحرية بعد ان طواها النسيان' ووصفته بانه كان 'مثقفا مقاتلا من اجل حرية الفرد'.
العالم الحر
ويعتبر الاقتصاديون وجماعات حقوق الإنسان المدرسة الفريدمانية موسعا للفروق الطبقية التي يعانيها المجتمع. أما المحافظون، فيعتبرون ان مدرسة شيكاغو الاقتصادية ـ الفريدمانية لعبت الدور الأساسي في خلق الثروات وتوسيع التجارة التي ادت الى انتصار المعسكر الرأسمالي والعالم الحر على المعسكر الشيوعي. ويمكن القول ان فريدمان، الذي ناصر حرية السوق، كره دس الحكومات أنفها في شؤون الفرد، سواء كان دافع ضرائب ومستهلكا، او رجل اعمال منتجا يخلق الثروة. كان وزوجته الاقتصادية روز ديركتور بمنزلة محرك التيار الاقتصادي المحافظ الحديث الذي انتهجه ساسة واقتصاديو الغرب خلال العقدين الماضيين. لكنه في الوقت نفسه كان هدف غضب جماعات حقوق الانسان بسبب حياديته التامة التي جعلته لا يفرق أخلاقيا او سياسيا بين المتلقين عند نشره مبادئه الاقتصادية، خصوصا عندما قبل بتقديم النصح والمشورة للدكتاتور التشيلي السابق أوغستو بينوشيه.

مؤلفاته
- 'نظرية السعر' (بالاشتراك مع روز فريدمان) عام 1962، 'الاشتراكية والحرية' (بالاشتراك مع آنا شوارتز) عام 1962، 'تظاهرة اقتصادي' عام 1972، 'ليس هناك افضل من غداء مجاني' عام 1975،' نظرية السعر' عام 1976 'حرية الاختيار' (بالاشتراك مع زوجته نقلا عن برنامج تلفزيوني كان يعده) عام 1981، ومقالات في مجلة نيوزويك منذ عام 1966 الى عام 1983 .

جوائزه
1951:
ميدالية جون بيتس كلارك
1976:
نوبل في الاقتصاد
1988:
الميدالية الوطنية في العلوم
1988:
الميدالية الرئاسية للحرية

من أفكاره
معالجة البطالة تتطلب أولا القضاء على التضخم 'الظاهرة النقدية البحتة'
تقليل مدفوعات الضمان الاجتماعي لإجبار العاطلين على قبول الأعمال
على الفقراء الاعتماد على أنفسهم أساسا بالبحث عن العمل الذي يناسبهم
ليس من مهام الدولة في النظام الرأسمالي العمل على تحقيق التوظيف الكامل
تحفيز رجال الأعمال على الاستثمار وزيادة الإنتاج عبر خفض الضرائب
تحجيم القطاع العام ونقل ملكيته للقطاع الخاص والحد من البيروقراطية

مدرسة شيكاغو
كان ميلتون فريدمان أبرز أعضاء كلية العلوم الاقتصادية في جامعة شيكاغو، حيث قامت مجموعة كبيرة من الباحثين بتقديم سيل من البحوث الاقتصادية والسياسات العامة الجادة عن فشل التدخل الحكومي في أعمال السوق، وظهرت هناك شخصيات مهمة منها فرانك إتش. نايت، وآرون دايركتور، وييل بروزن، وسام بيلتزمان، وخمسة آخرون حائزون جائزة نوبل: إف. إيه. هايك، وجورج ستيغلر، ورونالد كوز، وميرتون ميلر، وغاري بيكر.

قالوا عنه:
- ميلتون فريدمان أحيا اقتصاديات الحرية حين كانت كلها نسيا منسيا. كان مناضلا مثقفا عن الحرية.
(مارغريت تاتشر رئيسة الوزراء البريطانية السابقة).
- ساعد في تقدم كرامة الانسان وحرية الانسان، أظهر عمله ان الاسواق الحرة هي المحركات العظيمة لتطور الاقتصاد. كتاباته أرست الأساس الذي ساعد على تطور كثير من البنوك المركزية في العالم لتسهم في تحقيق الاستقرار الاقتصادي وتحسين مستويات المعيشة في دول في شتى أنحاء العالم. (جورج دبليو بوش الرئيس الاميركي).
- الاثار المباشرة وغير المباشرة لافكاره على الاقتصاديات النقدية المعاصرة سيكون من الصعب تجاهلها... نقل ميلتون الى الملايين فهم المزايا الاقتصادية للاسواق الحرة والتنافسية، وكذلك الارتباط الوثيق الذي تؤثر به الحريات الاقتصادية في الاشكال الاخرى للحرية. (بن برنانكي رئيس مجلس الاحتياطي الاميركي).
- كان شيئا ثابتا في حياتي المهنية والشخصية لنصف قرن. عالمي لن يبقى كما كان. (الان غرينسبان الرئيس السابق لمجلس الاحتياطي الاميركي ).

الصين أحد اختبارات فريدمان
على الرغم من ان سان فرانسيسكو تبعد آلاف الاميال عن الصين، فإن الحزن على وفاة النجم الاقتصادي ميلتون فريدمان اجتاز هذه المسافة الشاسعة. وأبن كثيرون من اعضاء الدوائر الثقافية والاقتصادية الصينية فريدمان الذى نصح الحكومة الصينية فى اواخر ثمانينات القرن الماضي بتخفيف قبضتها على الاقتصاد، ودفع سياستها إلى الانفتاح والاصلاح الاقتصادي. وقالت احدى المقالات في الصحف الصينية: اذا هيمن جون كينز وكارل ماركس على الثلثين الاولين من القرن العشرين، فان الثلث الاخير ينتمي الى ميلتون فريدمان. في وقت تحسنت فيه حياة قومه كثيرا. ولقيت افكار الاسواق الحرة والمتنافسة التي بشر بها فريدمان بحماس خلال حياته صداها في الصين التي ظلت تطبق بصلابة اقتصادا موجها مركزيا لأكثر من ثلاثة عقود.
وقال العالم الصيني لي هوا فانغ: 'التاريخ اثبت ان فريدمان قد فاز، واذا نظرت الى ما فعلته الصين منذ عام 1990 (اصلاح المشروعات المملوكة للدولة، وازالة التحكم في الاسعار) فسترى ان هذا بالفعل كان ما دعا اليه ميلتون'.

فريدمان واليورو: احذروا!
في مقابلة صحفية عام 2005، حذر ميلتون فريدمان من انهيار اليورو وقال: على الدول الاوروبية أن تقلد مارغريت تاتشر ورونالد ريغن، أي الأسواق الحرة باختصار. إن مشكلة ألمانيا ترجع جزئيا إلى أنها ذهبت إلى اليورو بسعر الصرف الخطأ الذي فاق قيمة المارك الألماني بشكل مبالغ فيه. ولذا فإن لدينا وضعا في منطقة اليورو يكون فيه لدى أيرلندا تضخم وتوسع سريعان، في الوقت الذي تعثرت فيه ألمانيا وفرنسا وكان لديهما صعوبات في التكيف. إن اليورو سيكون مصدرا كبيرا للمشاكل وليس مصدرا للمساعدة. إن اليورو ليس له سابقة.


تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات