آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

140393

إصابة مؤكدة

868

وفيات

132848

شفاء تام

القاهرة - صبحي موسى
تزامنت نشأة القصة القصيرة في السودان مع نشأتها في مصر، لكنها ما لبثت ان توارت عن المشهد الإبداعي حتى اننا لا نكاد نحصي من كتابها عددا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، يجيء على رأسهم بالطبع القاص والروائي السوداني الأشهر الطيب صالح صاحب 'موسم الهجرة إلى الشمال ودوسة ودحاق وضو البيت وعرس الزين' مما جعل السؤال الملح عما حدث للسودان ونهضته الإبداعية حاضرا في وعي الذين جاؤوا لمناقشة كتاب 'القصة القصيرة في السودان' في نادي القصة في القاهرة وهم د. محمد حسن عبدالله الذي ربط الأمر بالظروف التاريخية التي مر بها السودان، فهذه البواكير ارتبطت بشكل أو بآخر بالقصة المصرية إبان حكم أسرة محمد علي، فقد ظهرت عدة أسماء مهمة من بين كتابها أمثال سيد الفيل وعبدالحليم محمد وبدوي ناصر ومحمد أحمد المحجوب وعمر عبدالله أبوشمة وعرفات محمد، ولعل أشهر أبناء هذه المرحلة التي يمكننا أن نطلق عليها البدايات هو معاوية محمد نور، وتتسم كتابة هذا الجيل بالعديد من مشكلات البدايات، مثل الكتابة بفكرة مسبقة عن الواقع والتأثر بالثقافات الواردة عليهم، غير ان ما أحدثوه من تجديد وتغيير في الأدب ولم يكن بالقدر الذي شهدته الدول العربية الأخرى.
ومع بداية الأربعينات وحتى الستينات كان الوعي بفكرة الانفصال عن الحكومة المصرية قد تزايد، مما خلق وعيا بمشكلات الذات والهوية والواقع السوداني، والتأكيد على الخصوصية القومية والوطنية ومن ثم ظهر الجيل الثاني أو ما يسمى بمرحلة النضج الذي كتب عن الحياة أو الواقع المعاش بالفعل، وكانوا يرغبون في إحداث تغيير حقيقي وتحديد أشد لفكرة الهوية السودانية، لذا فليس مستغربا ان نجد ان أبناء هذه المرحلة أخذوا ينشرون كتبا مشتركة، متحدين الواقع والظروف السيئة المحيطة بهم، ومن أشهر أبناء هذه المرحلة الطيب صالح الذي لمع اسمه بقوة من بين أبناء هذه المرحلة وهم ملكة الدار محمد، عثمان علي نور، الزبير علي، آمنة أحمد يونس، بخيتة أمين مدني، زينب عبدالسلام المحبوب، سلمى أحمد البشير خوجلي شكر الله، علي الملك، صلاح محمد إبراهيم، أبوبكر خالد، الطيب رزق، محمد سعيد معروف، عبدالمنعم أرباب، عبدالله علي إبراهيم.
وفي منتصف الستينات ظهرت الرغبة لدى المبدعين السودانيين في تحقيق نقلة حداثية استلهموا فيها أشكالا فنية واكبت تطور المجتمع السوداني، وعبرت عن همومه ومشاكله، وحاولت الخروج به إلى أفق مغاير، ومن أبنائها محمود محمد مدني، عبدالسلام حسن عبدالسلام، محجوب شعراني، حسن الجزولي، عيسى الحلو، نبيل غالي، مبارك الصادق، عثمان الحوري، محمد خلف الله سليمان، أحمد الفضل أحمد، بشرى الفاضل، أحمد مصطفى الحاج، يحيى فضل الله، زهاء الطاهر، مصطفى مبارك، عوضية يوسف، سملى الشيخ سلامة، سعاد عبدالناصر وغيرهم.
وإذا كان د. حسن عبدالله ربط تطور القصة في السودان بتطور الوعي بالقومية السودانية فإن الكاتب السوداني فيصل مصطفى المقيم في القاهرة ربط تأخر القصة السودانية وعدم معرفة العالم العربي بها بالعديد من المشكلات النفسية والسياسية لدى الكاتب السوداني ذاته، فعلى الصعيد السياسي جاءت التغيرات والانقلابات السياسية والعسكرية الكثيرة التي شهدها السودان، ولم يكن من بين هذه السلطات سلطة واحدة تهتم بنشر اعمال المبدعين، مما حدا باغلبهم ان يتركوا اعمالهم حبيسة الادراج، وفي حالة النشر تكون اعمالا مشتركة، وغالبا ما يفضل من يتاح له النشر ان يقدم للقارئ عملا روائيا. ومن ثم تنحسر القصة القصيرة في السودان لصالح الرواية، واذا نظرنا الى نفسية الكاتب السوداني سنجد انها كسولة تبحث عن الشفافية والتوحد، ومن ثم فهي اقرب الى الشكل الصوفي الزاهد، مما يؤثر على الانتاج الادبي وحراكه، ومن هنا لم نجد من يستفيد من التعددية الجغرافية والثقافية في السودان ليقدمها من خلال اعماله، وظلت هذه الرؤية تجيء وتذهب على فترات، وفي اعمال قليلة، وفي النهاية اضاف معد ومقدم الكتاب، 'القصة القصيرة في السودان' الكاتب فؤاد مرسي ان هذا العمل استنفد مجهودا كبيرا كي يخرج على هذا الشكل البانورامي الذي يعرض لتطور القصة في بلد متسع الاطراف ومساحة زمنية كبيرة في ظل غياب المصادر والمراجع والبيانات المطلوبة عن كل مبدع، لكن يمكنني ان اقول ان مجلتي 'النهضة' التي كان يحررها عباس أبو الريش و'الفجر' التي رأس تحريرها عرفات محمد عبدالله كانتا العامل الأول في ابراز جيل البدايات في القصة السودانية، وانه بتوقف الأخيرة تعثرت احوال القصة السودانية، ولم تنهض الا بعد الحرب العالمية الثانية، فصدرت عام 1954 مجموعة 'غادة القرية' للقاص عثمان علي نور، وهي اول مجموعة قصصية سودانية تحظى بالنشر، تلتها مجموعة 'مات حجر' عام 1955، لمحمد سعيد معروف، مما شجع الأدباء على خوض هذا المجال خاصة في ظل ظهور جريدة 'الصراحة' في الخمسينات، وفي يناير 1960 اصدر محمد علي مجلة قصصية بعنوان 'القصة' ففتحت بابا واسعا للكتاب المعروفين والجدد، ولاحقت اعمالهم بالمتابعة النقدية ورغم ان المجلة توقفت بعد عام ونصف العام لأسباب مالية غير انها تركت أثرا واضحا في حراك الادب القصصي السوداني، وقد اخترت في كتابي هذا تصنيف مراحل القصة السودانية الذي ارتضاه الكاتب معاوية البلال في كتاب له وهو مرحلة البدايات والنضج والتحول الحداثي.

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking