القبس

القائمة الرئيسية
الرئيسية / غير مصنف / تحقيق: بعضهم يخاف الحسد.. والآخرون «كشختهم» بالأقساط أجهزتهم وسياراتهم آخر موديل ويقولون: «ما عنـدنا»

تحقيق: بعضهم يخاف الحسد.. والآخرون «كشختهم» بالأقساط أجهزتهم وسياراتهم آخر موديل ويقولون: «ما عنـدنا»



تحقيق: ثائرة محمد

لماذا يشكو الإنسان دائما ويتذمر أمام الآخرين مصرحا بأنه لا يملك من حطام الدنيا شيئا مرددا تلك الكلمة التي أصبحنا نألفها من كثر سماعها «ما عندي» على رغم أن لسان حاله الفعلي يقول إن الخير الذي لديه يقول عندي وعندي وعندي؟ فهو يشكو من أنه ليس لديه مال ويركب سيارة آخر موديل ويلبس «اكشخ» واغلى الثياب ويقتني افضل العطور.. ثم يردد شاكيا: «ما عندي».. والغريب أن اكثر المشتكين من سوء الأحوال المادية هم اكثر المقتدرين.. بينما يقول من لا يملكون الكثير من المال بالفعل انه معهم..

ترى ما السبب المباشر وراء كلمة «ما عندي»؟ هل هو كما يقول المثل المصري «داري على شمعتك تقيد»؟ أم عدم قناعة ورضا بما يملك هذا الشخص أو ذاك فيرى أنه لا يملك شيئا قياسا بأحلامه؟ أم هو خوف من حسد العين.. التي «ابركت البعير»؟ أم لانه يخشى من أن يستدين منه الناس فيفتح على نفسه بوابة من المطالب التي لا تنتهي؟ أم أن هناك أمورا أخرى؟

يعلل محمد امين ترديد الناس لكلمة «ما عندي» بأن الإنسان ليس قنوعا وهو متمرد بطبعه في الغالب على وضعه.. وعادة ما يسعى إلى الأفضل ولهذا فهو لا يرضى بما لديه ودائما يطمع في الأفضل.. فمن لديه سيارة موديل 2003 يطمع في 2004.

وتؤيد ذلك يولاندا باجسيك التي اعتبرت أن الطبيعة البشرية عادة لا ترضى بالقسمة والنصيب وأن الإنسان دائما عينه على من هو افضل منه ولذلك يردد كلمة «ما عندي» قياسا بغيره ممن عندهم.

العين والحسد
ويرى علي البدري أن ترديد الناس لكلمة «ما عندي» بسبب خوفهم من العين والحسد اللذين «ابركا الجمل» فالناس ينظرون بعين الحسد إلى من لديهم من الخير الكثير فيحسدونهم حتى ان كان من دون قصد.. ولهذا فان الكثيرين يخافون الحسد والعين فلا يتحدثون عما انعم الله عليهم به بل على العكس يتذمرون ويظهرون عكس حقيقتهم قائلين «ما عندي».

ويشير البدري إلى أن الكثير من أصدقائه كانوا يشتكون سوء الأحوال المادية إلا انه تفاجأ بمستواهم الممتاز فيما بعد واكتشف كذب البعض في ادعاءاته بأنه «ليس لديه مال».

أما احمد الشمري فاعتبر أن البخل سبب يجعل الناس يخفون ما لديهم من أموال خوفا من أن يستدين الآخرون منهم.. فيبادرون بالشكوى والتذمر المادي حتى لا يتجرأ أحد على الطلب منهم..

وأيد ذلك احمد الجوراني الذي اعتبر أن جملة «ما عندي» حاجز يمنع السلف إضافة إلى انه وقاية من العين والحسد وتريح صاحبها.

مرض نفسي
وطبيعة الإنسان في رأي بدر خلف لا تميل إلى القناعة والرضى بما يملك فهو يطمع في ان يكون دائما افضل من غيره ولهذا تجده يتذمر ويعتبر نفسه لا يملك شيئا مقارنة بغيره ممن لديهم افضل منه فهو كلما زاد دخله طمع في المزيد إضافة إلى أن تحسن مستوى الفرد يزيد معه مستلزماته ومصاريفه ليتلاءم مع مستواه الجديد فتنهال عليه الطلبات وبالتالي يبقى شعوره بأنه ليس لديه شيء، متعذرا بتلك الكلمة «ما عندي» فيراه من ليس عنده شيء غنيا بينما يرى نفسه فقيرا أمام من عنده افضل منه.

ويقول بدر: مثل هذا الإنسان يكون لديه مرض نفسي لأن عدم الشعور بالقناعة والنظر إلى ما في يد غيره مشكلة نفسية لا بد من أن يعالجها مثله كمثل من ليس لديه مال ولا يملك شيئا لكنه يتحدث عن قدرته المادية وعما لديه من حاجات بغرض «الفشخرة» والتباهي وحتى لا يشعر بأنه اقل من غيره..

«داري على شمعتك تقيد»
يقول المثل المصري «داري على شمعتك تقيد».. هكذا بدأت شهير فوزي قائلة: أن أهم أسباب شكوى الناس وتذمرهم من وضعهم على رغم أنهم يعيشون خلافه هو الخوف من العين والحسد.. فيتجنبون الحديث عما يملكون تجنبا للمقارنة التي يعقدها الناس فيما بينهم.. وقد يرى البعض انه من الأسلم أن يبادر بكلمة «ما عندي» حتى لا يجسر أحد على طلب سلفة أو قرض منه لانه قد لا يحب الدين أو لأنه بخيل أو غير ذلك.

وترى ياسمين نور أن ما يملكه الإنسان من الأمور الخاصة التي لا يجوز لاحد الاطلاع عليها غير صاحبها.. وعندما يسأله الآخرون عما معه فهو يعتبر ذلك تدخلا فيما لا يعنيهم فيقول لهم «ما عندي» لأن ما يملكه لا يهم أحدا سواه.

الكويتيون يحبون المظاهر
البعض يقول حقا «ما عندي» ولا يكون لديه فعلا.. إلا أن مظهره الخارجي يوحي بان ما عنده كثير.. تقول أم حسن:

إن كثيرا من الناس بالفعل لا يملكون من المال شيئا لكنهم يظهرون عكس ذلك لأنهم يعيشون على الدين والسلف والأقساط فيشترون ما ليس بقدرتهم خصوصا في الكويت هذا البلد الحر الذي يسمح لأفراده بالشراء بالأقساط من دون قيود تذكر.. ليسهل عليهم حياتهم خصوصا ان الكويتيين يعشقون المظاهر ولا أحد يحب أن يظهر بمستوى اقل من غيره أو انه لا يملك.. وإذا اشتكى وقال «ما عندي» يكون كلامه صحيحا لأن ما يقتنيه ويشتريه كله بالأقساط والدين والسلف.. «والله يخللي الأقساط» التي جعلت الناس تتساوى في المظاهر.

النقلة السريعة والبهرجة
وتؤكد منيرة محمد أن النقلة السريعة للمجتمع الكويتي جعلت المظاهر تتزايد يوما بعد يوم وتقول:

فالناس أصبحوا يتظاهرون بما لا يتناسب وواقعهم المادي فيشترون فوق مقدرتهم من اجل البهرجة و«الكشخة» وكل هذه الأمور بالدين.

أما وفاء محمد التي أيدت ما قالته منيرة فأشارت إلى أن الكويتيين يعيشون على الأقساط ولا يخلو بيت من الأقساط في كل ما نملك ومن ليس عليهم أقساط قلة في الكويت..

وتوافق إيمان على ذلك معتبرة أن الأقساط أهم مشاكل المجتمع الكويتي في الوقت الحالي وتقول: هناك الكثير من الناس ليس لديهم مال إلا انهم يملكون سيارة آخر موديل بالأقساط ولديهم آخر الصرعات في الهواتف النقالة وأثاث المنزل وغير ذلك بهدف مسايرة المجتمع ومجاراته في المظاهر والتباهي.. وكل هذه الأمور خلفها المجال المفتوح أمام الكويتيين للاقتراض وشراء ما يريدون بالأقساط لمتابعة آخر الصرعات لمختلف المنتجات أيا كان نوعها فالأقساط تخفي حقيقة اعظم.

غلاء المعيشة
وحسب أم خالد فإن كلمة «ما عندي» حقيقية وتتناسب مع حقيقة المجتمع الكويتي وتبرر ذلك بقولها:

لأن الكثيرين ليس لديهم فعلا شيء خصوصا في ظل الظروف المعيشية الصعبة وغلاء السوق بكل ما يحمله من بضائع كمالية أو ضرورية مثل الأطعمة على سبيل المثال التي تعتبر غالية جدا مقارنة ببقية الدول .. بالإضافة إلى أن مسايرة الشعب الكويتي لكل ما هو جديد من التكنولوجيا جعلت دخل الكويتي لا يكفيه فهو يساير احدث الموديلات من السيارات والموبايلات والأجهزة.. فلم يبق من دخله شيء ليعتمد عليه في التوفير لذلك هو يشكو ويقول «ما عندي».

كلمة مريحة كالبلسم
وفي رأي ندى علي فإن كلمة «ما عندي» مريحة لقائلها ومن أمامه فهو لا يجذب انتباه الآخرين إلى ما لديه وفي الوقت نفسه يتجنب العين والحسد وكذلك تشعر الآخرين بالرضا لأنهم سيشعرون بأنه ليس افضل منهم فيعيش هانئا مطمئنا.

على الهامش
> يقول الله سبحانه وتعالى «فاما بنعمة ربك فحدث».. بعض الناس يعتبر أن كلمة حدث تعني أن تذكر ما أنعمه الله عليك.. إلا أن هذا التحليل غير صحيح لان كلمة حدث هنا أتت بمعنى اشكر أي اشكر الله على نعمه عليك.

> البعض يعتبر أن افضل الحلول هو عدم قول «ما عندي أو عندي» لتجنب الدخول في الخصوصيات التي ليس من شأنها أن تضر أو تنفع أحدا بمعنى لا نتعالى ولا ننكر النعم.. فالسكوت من ذهب.

عن القبس