القبس

القائمة الرئيسية
الرئيسية / كتاب وآراء / اتجاهات / من الصحافة.. إلى «نوبل» في الآداب

من الصحافة.. إلى «نوبل» في الآداب



ذكرت في مقالي السابق «أخبار لا يهتم بها أحد!» كيف أن الصحافي القدير يمكن أن يحوّل ما يبدو غير مهم إلى مهم وجذاب، ليس من خلال الإثارة والمبالغة، وإنما إلى فتح عيون القراء إلى أمور مهمة، وأن ذلك يتم من خلال إبداع في الكتابة، يصنع الصحافي من خلاله قصة تشد القارئ، جاذباً إياه إلى أفق وزوايا تثير اهتمامه. وكما ذكرنا سابقاً، فإن الصحافة في الكويت لا تجذب حتى خريجي كلية الإعلام، لأنها مهنة صعبة وتحتاج إلى مثابرة، لا تقابل بمكافأة مادية كافية. لذا كان كل كتّاب الرأي على هذه الصفحة من القبس والصفحة المقابلة غير صحافيين. وأغلبهم يبدأ الكتابة كهواية تمارس بعد أن يحقق الكاتب استقرارا ماديا من وظيفة أو عمل تجاري. لكن الصحافة «الحقيقية» مهنة تتطلب الإبداع والمثابرة والمغامرة، وعادة ما يبدأ الصحافي العمل في هذه المهنة في سن مبكرة. كما أن الصحافة هي التي تكشف القدرات الأدبية لمن يخوض فيها. ولربما أغلب المبدعين في الأدب عملوا في الصحافة. وهنا لا أعني النشر في الصفحات الأدبية، وإنما عملوا كصحافيين. وكان اكتشاف إبداعهم من خلال تحقيقاتهم الصحافية، وليس من مجرد نقل الأخبار. وفي هذا المجال لا بد من الإشارة إلى شخصيتين امتهنتا الصحافة في سن مبكرة وأبدعتا فيها، وكتبتا الرواية خلال عملهما الصحافي، ثم اشتهرتا كأديبين كبيرين ونالا نوبل للآداب في 1961 و1982. الأول هو أرنست هيمنغواي، والثاني غابريل غارسيا ماركيز.
انضم هيمنغواي إلى صحيفة نجم كنساس عام 1917، وكانت مهمته الأولى أن يقضي ليلة واحدة في غرفة الطوارئ في مستشفى المدينة. كان عليه «أن يظهر قدرته على إيصال العواطف الحقيقية من المشهد، فكتب هيمنغواي عن جريح وصل إلى غرفة الطوارئ فاقدا الوعي: «علمنا أنه كان ضحية لنزاع في السوق ولم يتم التعرف عليه إلا من خلال فاتورة باسم جورج أندرسن تم دفعها في مدينة صغيرة في نبراسكا»all – that- is–interesting. com/hemingway-journalism.
والبعض يعتقد أن الكتابة الصحافية سهلة، لكن هيمنغواي دخل الشك قلبه بقدراته على الكتابة، عندما عمل مراسلا في باريس. فكان يحكي عن قلقه قائلا: «أنظر إلى أسقف المباني في باريس واقفا محدثا نفسي: لا تقلق كنت دائما تكتب وستكتب الآن. كل ما يجب فعله هو أن تبدأ بكتابة جملة واحدة حقيقية».
ولربما كانت التحديات التي واجهها ماركيز أكبر في كولومبيا، وهو بلد لا ترتقي فيه الصحافة إلى درجة عالية، وكان معروفا أنه كان دائما يتذمر من كسل الصحافيين في بلده. وقد نقلت لنا الصحافية أدريانا لاروتا على موقع as-coa.org في 19ــ 4 ــ 2014 عن تجربة ماركيز في الصحافة، كونها تعمل في نفس الصحيفة التي عمل فيها ماركيز قبل ثلاثين عاما. وهي فخورة بأن بعض زملائها الحاليين كانوا قد زاملوا ماركيز في نفس الصحيفة. وتنقل كيف تمكن ماركيز بمثابرته وأسلوبه في التحقيق الصحافي من صنع بدايات مجده. وتضرب مثلا على ذلك قصة ذلك البحار الكولومبي، الذي سقط من على ظهر سفينة، واستطاع أن يمسك بقطعة من الخشب لمدة عشرة أيام، متمكنا من النجاة من دون أكل وماء إلى أن وجد نفسه على ساحل إحدى جزر الكاريبي. لقد انتشر الخبر في الصحافة وتحدث عنه الجميع لفترة، لكنهم نسوه بسرعة. لكن ماركيز أعاده إلى ذاكرة القراء من خلال تحقيق صحافي عن لقاءات مع هذا البحار نشر على ست حلقات. لقد تمكن ماركيز من الخوض في تفاصيل حياة هذا البحار، وإعادته إلى اهتمام القارئ، بل إن هذا التحقيق نشر كتيبا بعد عدة سنوات. وقد علق ماركيز قائلا: «كان هدفي أن يبقى هذا الحدث حقيقة، لأن احتمال حدوثه كان صغيرا جدا».
فنحن هنا أمام عملاقين في الأدب، بدآ حياتهما في الصحافة. وليس من الضروري أن يصبح الصحافي أديبا عظيما ليستحق التقدير. فالعمل الصحافي الدؤوب يستحق الإعجاب. ومن يزر صحيفة ويلتقي بالمحررين والعاملين في المطبعة والمخرجين الفنيين، ويتعرف على أوقات عملهم، فسيدرك أنه أشبه ما يكون في مصنع يعمل على مدار الساعة.
قبل أن يكتب سعود السنعوسي «ساق البامبو»، سافر وعاش في الفلبين لفترة، كان يحاول أن يكمل حبكته الروائية، فكان عليه أن يغوص في خياله من خلال الإطار، الذي ستعيشه شخصيته الروائية. كان يحضر لتحقيق صحافي في خياله، ومثلما أخبرنا هيمنغواي أنه ما دمت قادرا على كتابة جملة حقيقية واحدة، فلا تجزع أن تنضب موهبتك.
د. حامد الحمود
Hamed.alajlan@gmail.com
hamedalajlan@

عن د. حامد الحمود