القبس

القائمة الرئيسية
الرئيسية / كتاب وآراء / وداعاً «أم يعقوب»

وداعاً «أم يعقوب»



«وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا * إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا» (الإسراء: 23)

صدمنا بخبر وفاة أم يعقوب المرأة الطيبة الحنون، صاحبة القلب الأبيض الطاهر، المصلية المسمية القائمة ليلاً، الصائمة وهي تعاني من مرض سنين طويلة، ولم تشتكِ لأحد، لكي لا تزعج من حولها، ولا تكون عبئاً، وبعد وفاة زوجها طيلة السنين، سخرت نفسها لتربية بناتها الست، وولدها الوحيد الذي ولد بعد وفاة والده، وتحملت بكل معاني الصبر على الشقاء والعناء في تربيتهم، ولا تعرف غير ذكر الله والتضرع إليه بالدعاء، فهي دائماً مبتسمة وخجولة بطبيعتها، وكان دوماً ما يحتار المرء في وصفها، حيث لديها خصال، ربما لا تتوافر في العديد من الأمهات، وتعتبر علامات ودلائل الأخلاق الكريمة التي تميزت بها.
كبر الأبناء فكانوا خير البارين بها، ولم يتركوها قط، تحتاج إلى أحد أو في نفسها شيء إلا وأنجزوه. وبعد السنين أصبح لديها أحفاد تبارك الرحمن فأحبتهم وأحبوها، «ما أعز من الولد إلا ولد الولد». ونشأت علاقة الأحفاد على حبها، لدرجة لا يمر يوم إلا ويزورونها فيه، ويسعدون بلقائها، وبدورها لا تبخل على أحد منهم كباراً وصغاراً، ولما كبروا زادوا في التعلق بها أكثر فأكثر حتى أصبحت كل شيء بالنسبة لهم.
ودارت الأيام والسنون وأنجب الأحفاد أطفالاً، فسبحان الله كأن الأيام تعيد نفسها.
ولله الحمد كانت عائلة مترابطة لا تفرق بين أزواج بناتها لأنها تعتبرهم أبناءها.. فكانوا لا يعرفون معنى الحقد أو الحسد أو الظلم، يحبون للناس ما يحبون لأنفسهم. حتى جاء الخبر الفاجع بمنيتها، وفاضت روحها الطاهرة إلى ربها عز وجل، وانطفأت شمعة البيت، ولم يبق سوى ذكرها الطيب لكل من يعرفها.
ولله الحمد حتى وقت إجراءات الدفن، قال أحد القائمين على الدفن «امرأة صالحة، وكررها، دفنت بسهولة وبسرعة».
نسأل الله العلي القدير أن يتغمدها بواسع رحمته، ونسأل الله لها جنة الفردوس، وأن يلهم أهلها الصبر والسلوان.
«أماه أنيني مرتفعٌ
يسمعهُ القاصي والداني
أماه ذكرتك غائبةً
فسئمتُ زماني ومكاني
أعياني رسمكُ في ذهني
وجهاً يستجمعُ أحزانِ
يا ملك الموت أما تدري
من بعدك هدت أركانِ
وحبال البُعد تحاصرني
وتشدُّ وثاق الحرمانِ
سأبركِ أمي فاقتربي
فالدمعةُ تحرقُ أجفاني
أماه تعالي مسرعةً
كي أشعر يوماً بحنانِ
أوْفابْنِ لي عندك قبراً
كي أدخل كهف النسيانِ

في النهاية، ماذا يسعني القول؟ ففي القلب الكثير مما يمكن أن يقال عن هذه الإنسانة الطيبة وأعمالها، لا يكفيها قلم ولا مقال.. وإن جفّ القلم، فستبقى ذكرها وتربيتها نبراسا لنا إلى الأبد.

علي المسباح

عن علي المسباح