القبس

القائمة الرئيسية
الرئيسية / كتاب وآراء / في زقاق «هانوي»

في زقاق «هانوي»



«إننا بحاجة إلى الخيال كي نواجه تلك الفظاعات التي تفرضها علينا الأشياء».
(خورخي لويس بورخيس)

أخبرني الأخ أحمد الشريع، وهو يعمل مهندساً في مصفاة للبتروكيماويات، تملك الكويت حصة فيها بجمهورية فيتنام، أنه ذات مرة، أثناء مروره في أحد الأحياء بوسط العاصمه هانوي، شاهد امرأة في العقد الخامس من عمرها تضع على صدرها طفلة ذات أربع سنوات تقريباً، كانت تنام على كرتون في زقاق طريق رئيسي للسياح، وأثار انتباهه بها أنها كانت متسخة المنظر، يبدو أنه من أثر يوم حافل بقاذورات الطريق والمارة، وحتى ابنتها كانت كحالتها البائسة!
لاحظ صديقي أن ابنتها تغط في سبات عميق، حيث تشير الساعة إلى 8 مساءً، وتنام على رصيف الطريق فوق قطعة من الكرتون، وكانت في حضن أمها الرؤوم، لم تزعجها أصوات الشارع من محركات أو أبواق تنعق، أو مارة يمرون بالقرب منها يتغامزون ويلمزون، لم يعر صديقي اهتماماً لذلك، ففي مثل ظروف المكان والزمان، قد يكون الوضع عادياً، لكن اللافت أن والدتها، وهي تفترش الارض، كانت تضم ابنتها إلى صدرها، وتضع يدها على رأس صغيرتها، وفي يدها الأخرى هاتف ذكي!
وقف صاحبي يراقبها لعلها تنتبه له، وتسأله عن النقود، أو ما إلى ذلك، لكنها كانت في حال اندماج تام في عالم تويتر، وكانت تكتب بتركيز عال التغريده تلو الأخرى!
وللحظة انتابه إحساس جارف بأنها تناقش شخصا مهما بالحزب الشيوعي الحاكم، وتوجهه، وكيف له أن يطور من أدائه في إدارة البلد، كل هذا وهي وقتها تنام بالعراء فوق قطعة كرتون، ويغطيها الحر والرطوبة العالية، وكان ذلك المسؤول يبرر موقفه، ويرد على تساؤلاتها، ويعدها بأنه سيأخذ بنصحها، وأنه تعلم الكثير من كلمات الجالسة فوق قطعة كرتون قديمة، بينما هو كان في مكتب وثير، ذي أثاث فخم، تحيط به السكرتيرات، وبمعيته عشرات الحرس والخدم والموظفين!
أحس الصديق المهندس بمفارقة، شعر بها بعدالة الطبيعة وواقعية الخيال (كما ذكر لي)، ولا أعلم هل كانت الطبيعة عادلة؟ وهل كانت تملك أدوات العدالة، أو أن الخيال الخصب، جعل تلك الأم البائسة تهاتف شخصاً مهماً في الحزب الحاكم، لتوجهه بنصائح في فن إدارة الدولة؟!
صحيح القصة خيالية، لكن لا ننسى أن الله قادر على كل شيء، وبقدرته يتوارى كل محال.
أعاد الله المهندس الشريع سالماً غانماً من مهمته العملية، ويسر اليسر لعباده.

يوسف عوض العازمي

عن يوسف عوض العازمي