القبس

القائمة الرئيسية
الرئيسية / كتاب وآراء / طلب شبه مستحيل

طلب شبه مستحيل



يبدو من الصعوبة بمكان تلبية هذا الطلب، ولكنه ضروري جدّاً، لعل وعسى يمتثل له بعض من يقرأه.
بعد أيام قليلة، سوف تبدأ القنوات الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعي باستعراض برامج الطبخ والأكلات المختلفة من كل دول العالم. سوف يظهر لنا طباخ أو طباخة في استديو عبارة عن مطبخ مجهّز بالملاعق والصحون والقلايات التي لا تلصق أبداً، ليصنعوا فيها أصناف الطعام.
ومن لطف القدر أن المخترعين كادوا يبتكرون تلفزيونات تصدر رائحة من وحي المكان، ولكنهم لم يتوصلوا إلى ذلك حتى الآن، وحتى لا نقف ضد العلم والتطور، فإننا نأمل في أن يبتكروا هذا الاختراع بعد أن يسود العالم السلام وتنتهي الحروب التي خلفت وراءها كل هذه المجاعات، لا بأس بعد ذلك بشاشات «الروائح» فلن يتأذّى حينها أحد. أما اليوم، فنأمل من هذه المحطات أن تخفف من وطأة الطعام، وإن لم يكن كذلك، فلدي اقتراح بأن تقوم هذه المحطات بعمل إنساني، كأن تجعل رعاية هذه البرامج لمصلحة اللاجئين والفقراء حول العالم.
ولكن إن فعلت الفضائيات هذا الأمر، فماذا عن مواقع التواصل الاجتماعي التي تمتلئ بأطباق الطعام التي تصنعها ربات البيوت وتتفاخر بها، فترى كل مَن صَنعتْ لها صحن كوسا محشي وضعته على صفحتها، وكأنها قامت بإنجاز عبقري، علماً بأن جداتنا الأوائل كنّ يعتبرن صحن المحشي «ترويقة» بجانب عشرات الأصناف.
سألت أحد أصدقائي المتزوجين: هل هو سعيد في حياته؟ فأجابني بأن المطعم الذي بجانب بيته هو الأكثر سعادة، لكون صاحبه زاد دخله من جراء طلبات الطعام. طبعاً من سوء حظ الزوج أن المطبخ الذي كانت تُعد لنا فيه زوجته القهوة، قريب الصالة، وقبل يومين زرته في المستشفى وطمأنني أن الجرح الذي في رأسه يتماثل للشفاء.
عدد اللاجئين اليوم بالملايين، يعيشون.. أو ربما أن مصطلح «يموتون» أفضل من مصطلح يعيشون، يموتون في ظروف بائسة، عشرات الألوف أصابتهم الكوليرا في اليمن، وآلاف العوائل يبيتون في عراء العراق، وأطفال وكبار بالسن يتوسدون أحجار الحدود في سوريا. وحتى الذين ظلوا في بيوتهم لا يجدون الحد الأدنى من متطلبات الحياة، ومع ذلك فالسيدة التي أنجزت صحن كوسا المحشي تتباهى به أمام الجياع.
هذه الحروب أذلت عزيزاً وأعزت ذليلاً، ثمة أثرياء أنظمة وأثرياء معارضة ظهروا فجأة.
كل ما نأمله أن نراعي مشاعر الناس، سواء بالتوقف عن عرض الطعام، أو بمنع عرض مثل هذه البرامج.
عدنان فرزات

عن عدنان فرزات