القبس

القائمة الرئيسية
الرئيسية / كتاب وآراء / اتجاهات / أخبار لا يهتم بها أحد!

أخبار لا يهتم بها أحد!



هناك أخبار تشد انتباهنا لثوان وربما لدقائق، ولكنها تزول من الذاكرة بسرعة للطريقة التي تقدم بها في الصحافة. هذا النوع من الأخبار ينسى، لأنه يقدم كحدث وليس حالة تستحق التحقيق. لنأخذ مثلاً الخبر الذي نشر في 16 مايو في القبس تحت عنوان «السوريون في الكويت يستغيثون لعدم ترحيل الموقوفين»، ناقلاً تصريح أمين عام منظمة «كافي» لمكافحة الفساد وحقوق الإنسان، الذي ذكر فيه أن أربعة سوريين كانوا قد أُبعدوا من الكويت على خلفية قضايا بسيطة، مثل قيادة مركبة من دون رخصة أو مخالفات مرورية جسيمة، تم إعدامهم بعد وصولهم إلى سوريا. هذا ولم ينشر شيء حول هذا الموضوع بعد ذلك، لا كتحقيق ولا في صفحات الرأي. هذا مع أن مثل هذا الخبر يعتبر فرصة للصحافي البارع في الخوض في طبيعة الحدث وأسبابه وتوصيل الرسالة من خلال التحقيق الصحافي. فهذا الخبر ليس بالعادي، وإنما أدى إلى إنهاء حياة أربعة سوريين من قبل أجهزة نظام لا يحاسب على التنكيل بمواطنيه، وتعبيري بأنه «فرصة»، ذلك لأن التحقيق الصحافي حول هذا الموضوع من الممكن أن يقدم براعة الصحافي إلى القارئ، وأن يخوض في الظروف غير الإنسانية التي أدت إلى هذه المأساة. فالصحافي لا يصنع الخبر، ولكن ببراعته وبأسلوبه وبتحليله يمكن أن يشد القارئ إلى موضوع إنساني مهم.
وهناك أخبار أقل أهمية للقارئ، ولكن ممكن أن يحوّلها الصحافي إلى تحقيق يجذب إليه الآن القراء. لنأخذ مثلاً حوادث الانتحار التي تنشر في الصحافة على شكل «انتحار آسيوي في جليب الشيوخ» أو «آسيوي يعلّق نفسه على شجرة في كبد». وينشر الخبر من دون التطرق إلى أسباب الانتحار، ولن تعرف شيئاً أبداً إن كان هذا الانتحار بسبب كآبة أو عدم القدرة على تسديد دين لا تتعدى قيمته بضعة مئات من الدنانير، ثم من سيهتم من القراء بأسباب انتحار آسيوي يعمل راعياً للغنم في كبد، أو حارساً في جليب الشيوخ؟ ولكني أرى أن الصحافي المبدع يمكن أن يحوّل هذا الحدث المهمل إلى حدث مهم.
أن يتحول الحدث إلى ظاهرة تستدعي الدراسة من علماء نفس واجتماع ومرشدين اجتماعيين. بل إن هذا الانتحار يمكن أن يتحول إلى قصة يبدع الصحافي في تقديمها إلى القارئ. نبدأ من الوضع المزري الذي كان يعيش فيه هذا الراعي في بنغلادش أو كيرالا، إلى خداعه من قبل تجار العمالة، مصورين له الحياة السعيدة التي سيعيشها في كبد أو جليب الشيوخ، ومن ثم إلى حياته كراع أو حارس في موقع عمل، متروكاً في ظروف صعبة، هذا مع ضغوط مالية ناتجة من مدينه إلى تجار العمالة في وطنه. وهل يمكن أن نتخيل مثلاً أن يسافر صحافي من الكويت إلى بنغلادش لتقصي حياة هذا المنتحر، ولقاء زوجته وأطفاله؟ بالطبع لا، وذلك لأن الصحافة عندنا تفتقد القارئ الجاد والصحافي الجاد والتمويل الجاد. بل إن هناك شبه غياب للصحافيين الكويتيين، لأن الصحافة لا تجذب للعمل فيها حتى خريجي كلية الصحافة، لكونها مهنة صعبة تحتاج إلى التزام وتفان في العمل مع تواضع في المكافأة.
ومثال على قدرة الصحافي على فرض نفسه، على الرغم من الأهمية الظاهرية الدنيا للخبر، أود أن أشير إلى تحقيق صحافي نشر في صحيفة نيويورك تايمز منذ نحو خمسة أشهر عن رجل وجد ميتاً في شقته بنيويورك. كان من الممكن أن ينشر هذا الخبر بعدد محدود من الكلمات في صفحة داخلية غير مهمة، ولكن المفاجأة أن هذا الخبر حاز ربع الصفحة الأولى، إضافة إلى صفحة داخلية كاملة. والسؤال: كيف تحوّل هذا الخبر «غير المهم» إلى هذه الدرجة من الأهمية؟ كان هذا نتيجة جهد الصحافي الذي حقق في الخبر، محولاً إياه إلى ظاهرة اجتماعية تستحق الانتباه من قبل المسؤولين والقراء بشكل عام. الظاهرة هي العدد الكبير للأميركيين الذين يعيشون وحدهم من دون أقارب أو أصدقاء. فقام الصحافي بزيارة الحي الذي كان يسكن فيه هذا المتوفى، ملتقياً بجيرانه، وباحثاً عن أقاربه. ذاكراً أن من درجة وحدته أن وزارة العدل وجدت صعوبة في إيجاد وريث له.
ولكن الأهم هو أن هذا الصحافي حوّل خبراًَ بدا هامشياً إلى تحقيق استحق أن ينشر في الصفحة الأولى. وربما لم يتوقع هو نفسه أن يصل تحقيقه إلى هذه المنزلة، ولكن بدا أن كبار المحررين اكتشفوا أهمية التحقيق، فاستحق الصفحة الأولى. وسنكتشف في مقالنا المقبل كيف أن عمالقة في الأدب مثل إرنست هيمنغواي وغابريل غارسيا ماركيز كانا قد بدآ تميزهما بمثل هذه المقالات.

د. حامد الحمود
Hamed.alajlan@gmail.com
hamedalajlan@

عن د. حامد الحمود