القبس

القائمة الرئيسية
الرئيسية / القبس الدولي / ارتباط أوروبا بمنطقة أور- آسيا قد يعزل أميركا

ارتباط أوروبا بمنطقة أور- آسيا قد يعزل أميركا

الرئيس الصيني زي جينبينغ (شينخوا)


محمد حسن |
التوجه الجيوسياسي الأهم في العالم حالياً ليس شعار أميركا أولاً، أو الحرب الكونية ضد الارهاب أو البريكست، أو الحرب الباردة ضد روسيا التي أُنعشت، بل هو الاندماج الاقتصادي لأوروبا مع آسيا، خاصة علاقة الاتحاد الاوروبي مع الصين، فأوروبا وآسيا تتعايشان في أكبر رقعة من الأرض في العالم ألا وهي أور ـ آسيا، وقد باتا يرتبطان بصورة متزايدة اقتصادياً ايضاً، وسياسة ترامب الحمائية والميالة للمواجهة سوف تزيد من وتيرة الاندماج فيما بين أوروبا وآسيا، كما سوف يهدد ذلك بعزل الولايات المتحدة.
ويقول علماء الجيولوجيا أن أور – آسيا ظلت قائمة منذ حوالي 70 مليون عام، كما يقول علماء الديموغرافيا إن أور – آسيا ظلت موطناً لحوالي ثلثي البشر خلال الألفي عام الماضين، كما ظلت التجارة والهجرة والحروب والأفكار تربط أوروبا بآسيا طوال تاريخ البشر، كما قبل التاريخ، وكما أشار جاريد دايموند في كتابه البديع «بنادق وجراثيم وحديد صلب» فإن انتشار التكنولوجيات فيما بين آسيا وأوروبا تم بسهولة لامتداد أور – آسيا المتسع والممتد من الشرق إلى الغرب عبر مناطق مناخية، فعلى سبيل المثال فإن القمح يزرع في غرب أوروبا وشرق أوروبا، وغرباً إلى آسيا (أي في تركيا والعراق، وايران) والامتدادات الشمالية لجنوب آسيا (أي في باكستان، والهند) وشرق آسيا (أي ميانمار والصين) أي أن هناك منطقة قمح تمتد لمسافة 10 آلاف كيلو متر.
وعبر التاريخ كانت الإنجازات التكنولوجية في جزء من أور – آسيا تنتقل تدريجياً إلى أجزاء أخرى ففي الفترة ما بين 500 ميلادية الى 1500 ميلادية كان النشاط التكنولوجي يتم في الأغلب في آسيا (في الصين على سبيل المثال)، وكانت التكنولوجيا تنتقل من الصين الى أوروبا. في غرب أوروبا في الأغلب، حيث باتت الابتكارات التكنولوجية تنتقل من أوروبا إلى آسيا. والآن فإن أوروبا وآسيا باتتا مصدر المبتكرات، وأصبحت التكنولوجيات الجديدة تتدفق في كلا الاتجاهين. وخلال القرن السادس عشر الى الثامن كان التعامل التجاري فيما بين شرق آسيا وأوروبا شحيحا. فقد قلّصت الصين واليابان الاتصالات مع الأوروبيين بدعوى الحفاظ على الأمن القومي.

فرض فتح الحدود
ومع بداية عملية التصنيع الأوروبية، تزايدت التعاملات، ولكن لم يسعد هذا الأمر آسيا. فقد غزت بريطانيا وفرنسا مناطق واسعة من آسيا، وأرغمت الصين بقوة السلاح على فتح حدودها أمام التجارة، وشمل ذلك استيراد الأفيون الذي فرضته بريطانيا على الصين لمصلحة حكومتها، ومصلحة تجار الأفيون البريطانيين. ومع استمرار تدني كلفة النقل والاتصالات نتيجة التطور في مجال التكنولوجيا، تزايد التبادل التجاري ـ الآسيوي، غير أن القوة العسكرية ومزايا السوق عملت لمصلحة الأوروبيين.
ولقد تحسنت امكانات التنمية الآسيوية مع نيل الهند للاستقلال في عام 1947، وميلاد جمهورية الصين الشعبية في عام 1949. وعندها شرعت الدولتان في عملية التصنيع. وبعدها انفتحت الصين أمام التجارة العالمية في عام 1978، والهند في عام 1991، وأتاح لهما ذلك تحقيق قفزة إيجابية من النمو الاقتصادي. فقد زاد الناتج المحلي الاجمالي للصين بحوالي 9.7 في المئة في العام في الفترة ما بين 1980 الى 2016. كما نما الاقتصاد الهندي بوتيرة سريعة، وإن كان أقل دينامية بحوالي 6.3 في المئة في العام، ونمو الناتج المحلي الإجمالي حوالي ثلاث مرات. وبلغ نمو الاقتصاد الهندي مؤخرا
الى حوالي 7.6 في المئة في العام، وظل أعلى قليلا مقارنة بالصين. ومنذ عام 1950 الى عام ألفين كانت الولايات المتحدة قائدة الاقتصاد العالمي وأكبر مؤسس لشبكات الانتاج المعولم. ووسعت الشركات الأميركية المتعددة الجنسية عملياتها في كل من أوروبا وآسيا. ففي عام 1980 على سبيل المثال بلغت صادرات أوروبا الى الولايات المتحدة 44 مليار دولار أي أكثر من صادراتها الى شرق، وجنوب وجنوب شرق آسيا ووسطها التي بلغت 33 مليار دولار. ولكن مع الازهار الكبير للاقتصادات الآسيوية بعد عام 1980، باتت صادرات أوروبا تتجه بصورة أكبر نحو آسيا. وقد بلغت صادرتها في عام 2015 أكثر من 659 مليار دولار.
ولقد ظلت كلفة التجارة فيما بين أوروبا وآسيا تتدنى بوتيرة سريعة مع استمرار التقدم في مجالات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والتحسّن في النقل البري والبحري والجوي واستراتيجيات الإمدادات ومع انتعاش الاقتصاد الصيني بدأت الشركات الصينية المتعددة الجنسيات المنافسة في تحديد نشاطها والبحث عن أسواق جديدة. وكانت البداية منطقة جنوب شرق آسيا وآسيا الوسطى وبعدها الشرق الأوسط وجنوب آسيا وروسيا وافريقيا الغنية بالمصادر وغرب أوروبا، ولهذا السبب نجد أن الصين تعمل بجد لتشييد طرق نقل ووسائل اتصال تربطها بمناطق أبعد وبنية تحتية للطاقة تربطها بأجزاء أخرى من آسيا، كما فيما بين آسيا وأوروبا.

طريق الحرير الجديد
وفي الوقت الذي تبني فيه الصين روابطها التجارية وشبكات البنية التحتية مع أوروبا، فإنها إنما تستوحي أحداث التاريخ. فالقادة الصينيون يصفون جهود بناء البنية التحتية بأنها تمثل طريق الحرير الجديد، في إشارة إلى طرق التجارة القديمة التي كانت تربط الصين بآسيا الوسطى وجنوب آسيا والشرق الأوسط وأوروبا لفترة امتدت قرابة ألفي عام، وحتى القرن السابع عشر. كما أن الصين اقترحت مؤخرا مبادرة مهمة أطلق عليها اسم «حزام واحد، طريق واحد» تقوم على بناء بنية تحتية للنقل والاتصالات والطاقة ترتبط بمناطق مختلفة من آسيا وربط آسيا بأوروبا. وإحدى المجموعات المستفيدة من ذلك ستكون المناطق الواقعة فيما بين غرب أوروبا،
وشرق آسيا، ويشمل ذلك روسيا وآسيا الوسطى.
وسوف تربط البنية التحتية الجديدة دول وسط منطقة أوروآسيا بصورة أوثق، بكل من أوروبا الغربية وشرق آسيا.
ويشير معنى «حزام» في اسم المشروع «حزام واحد طريق واحد» إلى البنية التحتية على الأرض مثل الطرق وخطوط السكك الحديدية، وشبكة الألياف البصرية وخطوط نقل الطاقة الكهربائية، بينما تعني عبارة «طريق» الخطوط البحرية والموانئ، وتهدف مبادرة الصين هذه إ‍ى بناء الطريق والحزام لربط آسيا بعضها مع بعض ومع أوروبا كذلك، والأمر المثير للاهتمام هو أن ارتفاع حرارة الأرض سوف يضيف ممراً بحرياً جديداً فيما بين شرق آسيا وغرب أوروبا عبر ما يطلق عليه الممر الشمالي الشرقي في المحيط القطبي في شمال روسيا والنرويج، فمع ذوبان الجليد في المحيط القطبي لعدة شهور في العام، فإن التبادل التجاري فيما بين شرق آسيا وأوروبا سوف يتزايد تحويل طرقه من المحيط الهندي وقناة السويس إلى الممر الشمالي الشرقي.
وسوف يقلّص هذا الأمر مسافات النقل البحري بنسبة تصل إلى حوالي 25 في المئة والوقت الذي يستغرقه النقل إلى 40 في المئة.

مؤسسات تمويلية
ولم تطرح الصين هذه الرؤية الجديدة للبنية التحتية فقط، بل أنها قدمت أيضاً آليات مؤسسية لتمويلها، ومن الأكثر أهمية بينها بنك استثمارات البنية التحتية الآسيوي الذي أسسته الصين للمشاركة في تمويل البنية التحتية في آسيا، ولقد انضمت 52 دولة آسيوية وأوروبية لعضوية البنك، وهنالك 18 دولة في قائمة الانتظار، كما أن الصين استثمرت في عام 2014 مبلغ 40 مليار دولار في صندوق طريق الحرير لتمويل مشاريع مبادرة حزام واحد وطريق واحد.
وبينما نجد أن الرئيس ترامب مشغول بتحقيق شعار أميركا أولاً، ومهاجمة الدول الأخرى لانتهاكاتها المفترضة في تعاملها مع الولايات المتحدة تبذل الصين جهداً دبلوماسياً وتفاوضياً هائلاً لبناء الثقة وتعزيز التبادل التجاري والاستثمارات وحسن النية، فيما بين دول أوروبا وآسيا، وذلك بالإضافة أيضاً إلى أفريقيا التي تستهدفها الصين أيضاً، عبر عدة مبادرات استثمارية.
إن كل تصريح صادر عن الرئيس ترامب ضد التجارة الدولية، وكل اتهام يوجهه إلى الاتحاد الأوروبي أو الصين ظل يدفع هذين العملاقين أحدهما نحو الآخر في تقارب ودي.

■ بوسطن غلوب ■