القبس

القائمة الرئيسية
الرئيسية / الأولى - ثقافة وفنون / بلال المصري: الكتابة تأخذني إلى المناطق التي تريد

بلال المصري: الكتابة تأخذني إلى المناطق التي تريد

بلال المصري


بيروت – انديرا مطر|

للشاعر اللبناني بلال المصري مجموعات شعرية عديدة، منها «عتم المرايا»، «تصاعد الياسمين كالرصاص»، و«خفيفاً كزيت يضيء». وله رواية وحيدة بعنوان «الجدران تتعرى لظلي».
في الأشهر الأخيرة كتب المصري عملين مسرحيين «صراخ الجثة» و«تواليت» سيعرضان ضمن فعاليات ثقافية في الكويت والجزائر. المصري لا ينظر الى الكتابة على انها ردة فعل أو اعتراض، بل هي عملية تأمل في الحياة وتناقضاتها، حيث يستسلم الشاعر لكل ما يحدث ويعيد رسمه بالكلمات ليلفت انتباه العالم عبر مخاطبة حواس الآخر عواطفه. هذه هي ثورة الشاعر التي بإمكانها أن تغير العالم عبر مرايا الكلمات التي تعكس للآخر صورته.
القبس التقت الشاعر اللبناني بلال المصري للحديث عن الشعر والمسرح.
◗ الشعر والمسرح
◗ صدرت لك عدة مجموعات شعرية ثم اتجهت لكتابة المسرح. هل هي استراحة من الشعر أم الرغبة بمغامرة جديدة؟
– في الواقع لم يكن هناك دافع محدد إنما هي الكتابة التي تأخذ الشاعر إلى المناطق التي تريد. ولطالما كان المسرح هو المساحة الأكثر شمولية لالتقاء الفنون من الشعر إلى الرواية وغيرهما. فالشاعر لا يجد نفسه غريبا وهو يكتب المسرح، لأن المناخ المسرحي قريب جدا من المناخ الشعري. وهنا أقصد المسرح الجاد الذي يحاكي الواقع ويتطرق لمواضيع كبيرة تعنى بالوجود وبتفاصيل صغيره تعبر عن الحميمية بين الانسان وسائر الكائنات والأشياء من حوله. وربما هذا ما يبني قصور المخيلة الخصبة للابداع وانتاج ما لا يُرى بل يحس. هذه هي مهمة الفنون على مختلف أشكالها. ثم انني أحس الشعر في كل شيء: في المسرح وفي شجرة عارية أمام الريح، وفي ابتسامات الاطفال المشردين ودموعهم، وفي كبوة المسن وهو ينتظر الموت. ثمة جدل عميق بين الاشياء والكائنات من جهة، والشعر من جهة أخرى بوصفه أرجوحة اللغة والحاجة الملحة لضمان وجود الانسان في هذا الوجود.
◗ بين الإمارات والكويت
◗ برأيك ما العلاقة التي تربط الشعر بالمسرح حتى يكون هذا الثنائي مؤثراً على أرض الواقع؟
– مؤخراً كتبت عملين مسرحيين «صراخ الجثة» و«تواليت». سيقدم العمل الأول مسرح رحالة الامارات ضمن فعاليات مهرجان المغاربة في الجزائر، والعمل الآخر ستقدمه شركة بترا للإنتاج الفني في الكويت. قمت بجمع العملين في كتاب بعنوان «تواريت كي لا أختفي» يصدر قريباً ضمن فعاليات معرض الرياض الدولي عن مؤسسة أروقة، بالتعاون مع النادي الأدبي في نجران في المملكة العربية السعودية. هذان العملان المسرحيان يحاكيان الواقع ويعبران عنه بشكل كبير، اذ حاولت من خلالهما عكس صورة الأحداث السوريالية التي تمر بها المنطقة العربية في الوقت الراهن. أردت أن أقول كلمتي لمختلف الأطراف المتصارعة، من دون أن أكون طرفا بهذا الصراع. هذا هو برأيي الشرط لتكون العلاقة ناجحة بين المسرح والشعر على أساس ان ديمومة الجدل بينهما لا تؤدي لانتصار طرف على آخر، بل ان تكون قادرة على كشف المناطق المظلمة لدى كل طرف بوصفه فكرة أو نصا، فردا او جماعة. بمعنى آخر انها أشبه بغرفة مرايا تمكن المتلقي من رؤية نفسه والآخر من كل جوانبه، من دون استفزازه غرائزيا ودفعه لكسر المرايا والخروج من اللعبة.
◗ مصالحة التكنولوجيا
◗ في الشعر يمكن القول ان لك جمهورك من القراء. المسرح جمهوره اقل ومزاجه مختلف.
– المسرح كفن كان رائجا عبر التاريخ بشكل كبير، واليوم تراجع لمصلحة التلفزيون والسينما، لكن هذا لا يعني انه لن يستمر، بل على العكس، يوما بعد يوم سيشعر الناس أن المسرح أكثر من فن، انه حاجة انسانية كبيرة، بعيدة عن التكنولوجيا وأكثر قرباً من الانسان، ويمنحه متعة حقيقية غالباً ما تكون نادرة لتفاعلها الحي مع اللحظة الراهنة. وسؤالك هذا ينطبق على الشعر أيضا وعلى الفن التشكيلي، وأكاد أقول ينطبق أيضاً على الموسيقى، فنحن في عصر التكنولوجيا نواجه مخاطر كبيرة، ولا يمكن لنا الوقوف في وجه التقدم التكنولوجي الحضاري ورفضه، بل علينا الكف عن طرح مثل هذه الأسئلة والانصراف للبحث عن صيغة لانشاء علاقة صحية بين التكنولوجيا والفن والأدب بشكل عام، بحيث يمكنهما من الاستفادة من هذه الظاهرة الحضارية لضمان ديمومة الفن والأدب معها ومن دونها.
◗ الطفولة الناضجة
◗ من يقرأ كتابك الشعري الأخير «خفيفاً كزيتٍ يضيء» يلحظ زخما كبيرا من المفردات العفوية التي تخص الطفولة وعوالمها. ماذا يريد الطفل الذي بداخلك أن يقول؟
– ربما يريد أن يقول للآخرين كفوا عن التقدم بالسن، النضج الحقيقي هو ألا يفقد الإنسان الطفل الذي في أعماقه. هذا الكائن الذي كاننا لم يكن يعرف الحقد والكره والقتل. إنها الحقبة الزمنية الأكثر تعبيراً عن حقيقة الإنسان. عندما كنت طفلا كنت أحلم باليوم الذي أصبح فيه شابا، واليوم بعدما تخطيت الأربعين من عمري أشعر بالندم على تلك الأمنيات. لم يعد بإمكاني الركض في الشارع خلف الرفاق والأصدقاء، كنا نعدو من دون أي رغبة بالوصول. هذه أيضا غاية المحب في محبوبه وغاية الزاهد في العالم، هذه هي الطفولة التي أتحدث عنها في كتابي «خفيفاً كزيتٍ يضيء».
◗ متعة الفوضى
◗ قلت لي سابقا ان قالب القصيدة وشكلها يشبه إلى حد كبير حالة الشاعر لحظة الكتابة أو المناخ العام لحياة الشاعر، وهي غالبا فوضوية على صورة حياتك. كيف انعكست هذه الفوضى على الكتابة المسرحية؟
– لا شك أن الأعمال المسرحية التي كتبتها تصنف في اطار المسرح العبثي والمسرح التجريبي. وبالتالي هي تتكئ على فوضى ايجابية، بمعنى أنها تسمح للمتلقي بإعادة اكتشاف الأشياء العادية والوقوف طويلا أمام ما قد يعتبره البعض بديهيا. وهي أيضا انعكاس لحياتي الشخصية التي لا يمكن أن أقبلها من دون فوضى، فالنظام بالنسبة لي سجن قد يحقق المرء من خلاله مكاسب في ميادين مختلفة، لكنه حتما سيخسر متعة الإقبال على الحياة التلقائية التي تغذي الروح والقلب وتحفز العقل كل مرة لإعادة انتاج الحياة والاسئلة من دون ملل. الفوضى بشكل ما تنطوي على غموض محبب ومحفز للاكتشاف، بينما النظام على النقيض منها، انه الوضوح الباهت الذي يريد أن يقول الشيء نفسه في كل مرة وهو قاتل بارع للابداع ووصفة مميتة للخيال.