القبس

القائمة الرئيسية
الرئيسية / كتاب وآراء / العبث بإرادة الأمة

العبث بإرادة الأمة



كثر الحديث عن حل مجلس الأمة، بدأ همساً وصار جهراً، وفي كل مرة يكون من أسباب الحل استجواب أحد الوزراء وما يصاحبه من تصعيد لفظي داخل المجلس وإعلامي من قبل البعض، حتى أصبح حل المجلس مجرد وسيلة لوصول البعض، ممن يدفعون بالحل، إلى تعديل المراكز القيادية في السلطتين لمصالحهم للهيمنة على مقدرات الدولة والأمة. وأصبح الشعب أو جمعية الناخبين أشبه بسيارة التاكسي وسيلة لإيصال هؤلاء إلى مقاصدهم، ومن دون اعتبار لإرادة هؤلاء الناخبين الذين تجشموا مشقة العملية الانتخابية للتعبير عن إرادتهم في اختيار ممثليهم، وما يصاحب العملية الانتخابية من تعطيل لمصالح الدولة ومصالح المواطنين، وما تهدر من أموال من أجل الدعاية والإعلان والولائم وما إلى ذلك من أموال لشراء الذمم.
يجب أن يعي من يدفعون بالحل أن إرادة الأمة ينبغي أن تحترم مهما كانت نتيجتها، فهي أمانة في أعناق من سعى المواطنون لاختيارهم. وعلى هؤلاء أن يكونوا أهلاً لحمل هذه الأمانة لا أن يتصرفوا بها لمصالحهم الخاصة بعيداً عن المصلحة العامة التي ينتظرها منهم الناخبون. فمن قدم نفسه لحمل هذه الأمانة عليه أن يجاهد للذود عنها، وأن يتحمل كل الصعوبات والضغوط النفسية والعصبية لأداء الأمانة إلى أهلها في إطار سلوك منضبط الطوية، فالأمة هي صاحبة السيادة وهي مصدر السلطات جميعاً.
لقد ورد في الدستور في الفصل الثالث من الباب الرابع الخاص بالسلطة التشريعية عدة وسائل لممارسة النائب حقه الرقابي إزاء أعضاء السلطة التنفيذية، ومنها الاستيضاح من الوزير عن طريق السؤال، ثم الاستجواب عن الأمور الداخلة في اختصاصه، وهذا أمر طبيعي وعادي وحق للنائب نصت عليه المادة 100 من الدستور يجب أن يستعمل في الغرض الذي وضع له. لكن لا ينبغي اعتباره قضية تهتز لها سيادة الأمة، وتضخيمها للوصول إلى مقاصد يراد بها باطل، وجعلها سبباً لتعطيل مسيرة السلطتين. فإذا ثبت تقصير الوزير مع إصراره على تبوؤ مقعده تطرح الثقة فيه إذا كان الأمر يستدعي ذلك، وإذا كان مرتكباً لجريمة فيمكن إحالته إلى القضاء، واستبدال وزير آخر به.. إذاً مهما كانت المشكلة لا ينبغي أن تكون نهاية المطاف، فالأمة لن تعدم في صفوفها من يقوم مقامه وذلك دون صراخ وعويل، وإذا أجاب الوزير وقدم الدليل على حسن تصرفه في وزارته، كان ذلك وساماً على صدره وفخراً لمسيرته. فهذه هي سنن العمل السياسي في العالم المتحضر المؤمن بالديموقراطية.
إن الإصلاح طريقه ممتلئ بالأشواك وعلينا إزالة هذه الأشواك بروية حتى لا تجرحنا. وحل المجلس بتقديري ليس هو الحل لإيقاف الصراع بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، بل الحل في إزالة مسببات الصراع والحفاظ على استقامة السلطات الثلاث بإزالة الشوائب عنها بالنوايا الحسنة ووضع الضوابط القانونية الكفيلة بحسم هذا الصراع ولجم الصراخ الصادر عن التشنج. ويجب على المواطنين في المحافل والدواوين استهجان تصرف النائب الذي يجعل من الاستجواب أداة تهديد لبلوغ مقاصده، سواء لقضاء مصالحه أو العمل وكتلته على حل المجلس والتفريط في إرادة الأمة.

مصطفى الصراف

عن مصطفى الصراف