القبس

القائمة الرئيسية
الرئيسية / محليات / عدنان الصالح صمم شعار الأسرى والمفقودين

عدنان الصالح صمم شعار الأسرى والمفقودين

عدنان رفيق الصالح ... لوحة آثار الغزو والمقاومة الوطنية الكويتية


أجرى الحوار: جاسم عباس |
الحنين إلى الأيام الخوالي، يبقى الجامع المشترك بين الرعيل الأول ومن عاش في الكويت، في عصر ما قبل النفط أو في مرحلة الاستقلال وما بعدها، في هذا اللقاء رحلة مع الذكريات ومع الماضي، نغوص في ثناياه، فنبحث وننقب عنه، مع الذين عايشوه تسجل لهم صفحات من عبق التاريخ ففيه رسالة وعبرة للأجيال.

في مستهل لقائنا مع الفنان التشكيلي عدنان رفيق أحمد الصالح قال: أنا من جنين المدينة المشهورة بعيون المياه والفواكه، والخضروات والبطيخ (الرقي)، مدينة كلها سهول أشهرها سهل برج ابن عامر، فيها المسجد الكبير ومدرسة فاطمة خاتون، تقع جنين على حدود 1948م قبل حرب 1967، التي احتلت فيها إسرائيل كل الضفة الغربية والقدس الشرقية.
قال: دخلت الكويت حيث كان عمري (17 عاماً)، أكملت دراستي في الكويت (تعليم الكبار)، ومن ثم بكالوريوس فلسفة وعلم اجتماع من لبنان، ودراسات عليا من الجامعة اليسوعية، في لبنان وتربية في الكويت، وأنا قمت بعمل وتصميم شعار الأسرى والمفقودين لدولة الكويت، وصممت كأس ولي العهد على شكل قصر السيف، ولأول مرة تستخدم العمارة في تصميم الكأس.

تصنيفات الفنون
قال عدنان الصالح: الفن الذي أقوم به هو «فن السريالي الصحافي»، وهذا النوع هو مباشرة عندما أحضر أي ندوة أو محاضرة أنقل ما أسمعه في نفس اللحظة والوقت إلى لوحة فنية، خلال نصف ساعة تكون اللوحة جاهزة، بمعنى أن الندوة تلخصت في الرسمة. ومن الفنون الفن الطبيعي لمشاهدات الفنان، وهذا النوع ضعف بعدما اكتشفت آلات التصوير؛ لأن الآلة أوضح وأبرز وأدق للمناظر الطبيعية، إلا إذا تميز العمل. وهناك فنون تعبيرية ورمزية، وهناك من يقول إن الفن للفن، وآخر يقول إن الفن رسالة، وآخر يقول ضد الجميل، أي يأتي بشيء جميل فيقطعه لإظهار شيء معين.
وأضاف: والفن التشكيلي هو أن يفهمه الناس، وصاحبه يفهم الرسم والموسيقى والإضاءة والديكور جمع كل هذه كي يصبح فناناً تشكيلياً، وهذا الفن هو رسالة علينا أن نوصلها ويفهمها الناس، وللأسف هناك فن عندما تسأل صاحب اللوحة عنها، يقول: إذا وصلت إلى مستوى اللوحة تفهمها هذا النوع من الفن أو الفنان بعيد عن الفن، وكل شيء تشكله للجمال والتجميل هو فن، أي نظام تعمله لكي توصله إلى الغير. وهناك الفن الكلاسيكي والفن الدادي والسريالي، كما قلنا. والفن البيئي والمعاصر والصناعي والكمبيوتري وفن كولاج.
وأقدم هذه الفنون هو الفن التشكيلي العادي، وعندما يشاهد الفنان منظراً ما يقوم برسمه، والآن ضعف هذا الفن مع وجود آلات التصوير، وكان من قبل في الكهوف يرسم الفنان حيوانات وطيورا ورموزا أخرى، وكان الفنان يرسم لوحة تدل على الصيد وعمل ما؛ كصيانة الموقع، وما زال هذا النوع نشاهده في الطرقات، رجل يحمل آلة نقل التراب بيديه، هذا فن دخل في خدمة المشروع، وهذه لغة عالمية تفهمها الدول، ومتفق عليها، وهي من أرق الفنون، وحتى تعرف أنواع الفنون وتختار، عليك أن تمر بكل المراحل، ومن ثم تتخصص وعلى الفنان أن يكون مثقفاً ومطلعاً ويتقبل النقاش والنقد، والفن خُلق مع الإنسان.

دور المعلم
قال الفنان السريالي: هناك عوامل مساعدة تبرز وتنمي الهاوي والفنان منها، متابعة ودراسة وتعليم وحضور في كل المناسبات، والمدرسة والأسرة لهما دور كبير، خاصة المعلم عليه أن يكون فناناً لكي يعطي، والمنهج يجب أن يكثف من عدد الحصص ويعطي أهمية لمادة التربية الفنية، ولا تكون الحصة هامشية، وللأسف مدارس الكويت تأخذ من التربية الفنية أحياناً لتقوي الطلاب باللغة العربية أو الرياضيات.. الخ، وعلى إدارة المدرسة أن تعرف أن الفن يريح الطالب، وهناك من يهوى الرسم، ومن الطلاب من يحتاجون إلى تنمية الفن من رسومه ونحته ونجارته فيهم، ولماذا نحرم هؤلاء الطلاب من هذه المادة.
أضاف: على المدرسة أن تقوم برحلات لزيارة الأماكن الطبيعية والحدائق والملاعب، ثم تطلب من الطلاب التعبير عن الرحلة بلوحات فنية، وكذلك اصطحاب الطلاب إلى دور السينما أو إقامة أفلام في المدرسة ثم تعبر هذه المشاهدات بكراسات، وكذلك حثهم على القراءة ورسم ما فهموه وأتقنوه في مادة التربية الفنية، وتعلق الرسومات الجميلة المرسومة من أيدي الأبناء، والأسرة لها دور كبير، وأتذكر والدي رحمه الله قال: يا عدنان أكتب كلمة «ملح» وأرشدني إلى وضع دائرة موصلة مع حرف الحاء يكون الشكل رأس إنسان (ملح)، وكانت أول لوحة لي، وهذا يدل على أن الأب اكتشف موهبة في ابنه، وجمعية الفنون التشكيلية كانت على مستوى، ولها دور في المجتمع، خصوصاً في السبعينات والثمانينات كان التعبير والحرية لدى الفنان أكثر، والآن أقل لأسباب منها: التكتلات واختصاصات عليها أن بوصلة الكويت أمامها، تعمل وتجذب وتساعد الفنان الكويتي على بناء هذه البوصلة.
قال الصالح: الفنان الكويتي حافظ على تراث البحر والبر بلوحاته، والفنان الكويتي رسم الماضي من سكيكه وفرجانه وأثاثه وبيوته القديمة في لوحات ما زالت معلقة، وفي الكتب محفوظة، أعاد الماضي لأبناء اليوم والمستقبل، وحتى الأحداث رسمها الفنان الكويتي، كسنة الهدامة، والحروب، والعقاب والتشجيع، والفنان الكويتي نقل لوحته من داخل البيوت القديمة، رسم البركة والدجة والباب والأكلات، وهذا ما نريده من المدارس والجمعية أن توثق الماضي بلوحات فنية ومشغولات أخرى، تعبّر عن تراث الآباء والأجداد.
الفنان الرسام الكويتي نقل الماضي ووضع بوصلة الكويت أمامه قبل أن نعرف آلات التصوير بعشرات السنين، من خلال ريشته. وأطلب من الفنان الحديث أن يعمل بريشته الأفكار الجديدة وحركات شبابية مثالية بناءة، وأن يضع أمامه الكويت، ويتحدى الصعوبات.
علينا أن نترك «أنا مع فلان» أو مع الكتلة الفلانية، جمعية الفنون التشكيلية لها دور عليها أن تؤديه، وكما للمدرسة والأسرة دور في تنمية المواهب بصورة شاملة؛ فتاريخ الكويت غني بالأحداث وبرجاله الذين أجمعوا البحر والبر، نريد لوحات تربطنا بهؤلاء الذين أعطوا وأسهموا إسهاما بارزاً في نهضة الكويت.

المواد من الطبيعة
قال الصالح: المواد التي كانت تستخدم في الفن ما زالت مع تطور بسيط، كالألوان الزيتية والمائية والباستيل والخشبية والشمعية من عهد الفنان دافنشي، العالم الإيطالي (1452 ــــ 1511م) بالتصوير والنحت والمعمار والموسيقى، وصاحب لوحة «العذراء والصخور» وصاحب لوحة «العشاء الأخير» وصورة «الموناليزا»، والألوان كلها طبيعية مأخوذة من النباتات والفواكه، والفحم كان وما زال يستخدم في الرسم والشحار، أي السنون هو ما يعلق في الجانب الخارجي للقدور والأباريق من سواد بسبب لهيب النار أيضا، استخدم في الرسم والطباشير الصخرة المركبة من كربونات الكالسيوم هذه المادة كانت منتشرة في كل الأزمنة الجيولوجية، واستخدمت في صناعة العجائن والأسمنت وللكتابة، ونحن نسميه «طباشير السبورة».
وأضاف: الفن %100 هواية و%90 علم وممارسة، عكس ما يقال، وأنا أول ما تعلمت من والدي، عندما كتب كلمة «ملح» أخذ رحمه الله يرشدني إلى وضع دائرة مربوطة مع حرف «الحاء» أصبحت كلمة «ملح» على شكل رأس إنسان، وكان رحمه الله ينقلنا من مكان إلى آخر ويطلب مني أن أعبّر عما رأيته بالرسم، ويناقشني. فقد خلق فيّ عمقاً كبيراً، وعرفني أن الفن حياة، وحتى لغة الشعوب إذا سافرنا لم ننطقها، ولّد فينا التحدث معهم بالرسم بما نريده بقدر الإمكان، هذه تجربة نجحت فيها عندما كنت في تشكوسلفاكيا بدأت أوضح لهم ما أريده بالرسم، لأن الفن لغة عالمية، وحتى الذين يعانون من التوحد يفهمون بالرسم، وهؤلاء بدأوا يدخلون بالرسم أشياء كثيرة حسب فهمهم، ويعرفون المواسم بلغة الرسم كالحج والأعياد وفصول السنة.

معنى اللوحة
قال: اللوحة الفنية إذا علقت في غرفة المريض لها دور كبير في إعطائه طاقة إيجابية من خلال الألوان المريحة وتخفف آلامه وتعوضه ما حرم من القوة والصحة، واللوحة الهادفة تبشر بالخير وتبعث فيه الأمل، واللوحة تحل المشاكل من خلال رسم الخرائط، وكذلك لفت انتباه العالم وتعريفهم بقضايا الأمة، فهناك لوحات ذهنية مثل: لوحة الأسرى والمفقودين التي عبرت المحيطات ولفت الكرة الأرضية تدل على أن الكويت لها أسرى بيد النظام الغازي على الكويت، وأنا قمت برسمها واعتمدت هذه اللوحة، وأخذت تدور وعرَّفت العالم بمظلومية الكويت، وبنت الفهم السليم عند بعض الدول، اللوحة علاج من كل الأمراض خاصة مرض النسيان، وتعتبر الحكمة التي لا تسمعها لكنك تراها ولا تنساها، وأنا شخصياً كفنان تشكيلي أعتبر اللوحة مصباحاً يضيء للذكريات وهدية توصل بين الهادي والمهدي وتقرب الغافل في كل الأوقات.

ريشتي
وأضاف: عندما أحضر محاضرة أو ندوة أو احتفالاً، في كل مرة آخذ معي قطعة قماش وريشتي، وأقوم برسم ما أشاهده وأسمعه، وأعبّر عن هذا الوقت بلوحة فنية، أدخل الفكرة والهدف من الاحتفال على هذه القطعة من القماش وأهديها، وكثير من الناس المقرّبين من «طاولتنا» ينتقدونني: لماذا لا تسمع الكلمات؟ ولماذا لا تنتبه؟ ولماذا أنت مشغول بالرسم؟ فيكون جوابي من خلال اللوحة التي تدل على فهمي لما قيل في هذه الجلسة أو الحفلة؛ فاللوحة مجالها واسع جدّاً، ومتشعبة، فيها تقوية الصلات وخدمة المجتمع.
أتمنى على المدارس ومناهجنا أن تحمل التربية الفنية على محمل الخير والجد، لأن الفن يخلق ابنا وشابا معطاء للفضل وكريم النفس، ويعطي الشاب العمق في الادراك وحفظ التراث، والابتعاد عن القضاء في أوقات لا فائدة فيها، اللوحة تصدر الإدراك الواعي، وتؤثر في سلوك أولادنا.

مقابلة قبل الوفاة
أجريت المقابلة قبل وفاة الزميل عدنان الصالح بأشهر، وكان من المفترض أن تنشر أثناء حياته، لكن لأسباب خارجة عن إرادتنا تأجلت المقابلة.

التربية الفنية مظلومة
أكد أنه لا توجد مدرسة خدمت حصة التربية الفنية، خاصة في مدارس الكويت وإدارات المدارس يعتبرونها مادة هامشية إذا احتاج مدرس مادة الرياضيات أو اللغة الأجنبية أعطوه من حصة التربية الفنية، هل المدارس خرجت فناناً عالمياً خلال هذه السنوات؟ أصبح الفن يعتمد على الفنان نفسه وعلى إبداعاته، أما المدارس فلا دور لها أبداً، وحتى أغلب المدرسين هم من الأكاديميين لا يعرفون الرسم والإبداع، وظيفة بعضهم رسم المربعات والمستطيلات، يطلبون من الطلاب رسم شجرة أو طير ولون حتى تفاصيل الرسم يطلب من الطالب أن يقوم بها، للأسف لا تكتيك لتعليم الرسم.

أمثال وحكم وأقوال عن الفن
– وحده العندليب يعرف الوردة.
– كل أرض تغذِّي الفن.
– يكون الفن جميلاً عندما تعمل معاً: اليد، والرأس والقلب.
– كل الفنون إخوة، وكل واحد يحمل نوراً إلى الآخر.
– من بين كل الفنون، يبقى فن الكلام هو الأكثر خداعاً.
– الموهبة هي تحت سلطة الإنسان.
– الرسم هو شعر صامت.
– من يستنكر الرسم يستنكر الطبيعة.
– الصورة المرسومة لها أفواه خرساء.
– ينبغي أن يكون للفنان أكثر من أذنين.
– بالنسبة إلى الفنان، يختفي الفن تحت قليل من العشب، وبالنسبة إلى الشخص العادي يختفي الفن تحت جبل.
– سر الفنون هو في تصحيح الطبيعة.