القبس

القائمة الرئيسية
الرئيسية / الأولى - ثقافة وفنون / مقابر ثقافية.. وكتب «ماركات»!

مقابر ثقافية.. وكتب «ماركات»!

جانب عمل فني «إليسيا مارتن»


ليلاس سويدان|

قد يبدو سؤالا هزليا أو غريبا أن نتساءل عن الفرق بين الأيفون أو الغالاكسي والجوائز الأدبية، أو الفرق بين الحقيبة النسائية ذات الماركة الشهيرة ورواية فائزة بجائزة. حسنا ولنكن أكثر «غرابة» ونسأل عن الفرق بين شواهد القبور وصور أغلفة الروايات الفائزة في السنوات الماضية على موقع جائزة أدبية ما. رغم أن وجه الشبه قد يبدو بعيدا للوهلة الأولى، لكن في مجتمع الاستهلاك حتى الثقافة أصبحت موضة وذات ختم تاريخ صلاحية، ومنتج بحاجة للتجديد، لإشباع حاجات المستهلك المتبدلة التي تحتاج لتحديث دوما. ألا يحدث الشيء نفسه في عالم الأدب والكتابة عندما يختم الكتاب بعلامة «الفائز بجائزة كذا لسنة لكذا»، ثم يرجع الى الوراء قليلا على رفوف مكتبة ما، ليتقدم كتاب جديد فائز بالدورة الأحدث؟!
زبائن الأدب
هذا الختم أو الماركة التي تجد ما يشبهها على حقيبة نسائية، تعرف المتابعات للموضة لأي موسم تنتمي، وإن كانت موضة العام أو العام الفائت، لا يعطي قيمة لـ«المنتج» بل هو نفسه القيمة. فلا خلاف كما أظن على أن الجوائز الأدبية ليست معيار جودة ولا قيمة للكتاب. إنها «الماركة» الثقافية التي تصنف الأدب اليوم أو قيمته السوقية، التي تم اختراعها لخلق سوق استهلاكية لزبائن الأدب والكتاب. فيكفي أن يحصل كاتب على «الماركة» حتى يعيش عمره كله وهو يصنف على أنه الكاتب الحائز الجائزة الفلانية، ولكن لسوء حظه أن هذه الماركة لها مواسم لـ«موديلاتها» الجديدة أو الفائز الجديد. إذا ما الفرق بينه وبين الأيفون مثلا وهو يعلن عن طرح موبايل جديد في السوق؟
القيمة السوقية
المفارقة أن من يحتفون بهذه الثقافة التي تستلهم آليات السوق، كأنهم يتضامنون مع فكرة أن لا شيء دائم وأن الثقافة تكتسب شرعيتها من قيمتها السوقية، التي حتما ستتبدل بعد فترة بنزول سلعة ثقافية أخرى إلى السوق. وهو ما يتعارض مع طبيعة الإبداع الثقافي كما يرى عدة مفكرين منهم زيغمونت باومان الذي ناقش استهلاك اللحظة والمكان وتجليات الحداثة السائلة في كل تفاصيل حياتنا، ومنها الثقافة التي انخرطت في إطار الخفة ومنظومة المنطق المادي. بقدر ما يبدو منظر أغلفة الكتب الفائزة على موقع جائزة ما، يبدو وكأنه يكرم الأدب ويشجعه، لكنه من زاوية نظر أخرى وكأنه «مقبرة» كتب ذات شواهد على ما رحل منها وما هو مرشح للرحيل قريبا. ولأن أرباب سوق الأدب الجدد يعلمون أن للكتب زمنا افتراضيا ونجومية وقتية، فإنهم يكثفون مجهوداتهم في استثمار «السلعة» الجديدة في فعاليات كثيرة، قبل أن تنزل السلعة الجديدة للسوق.
كرنفالات ترويج
غالبا ما سيعترض كثيرون على هذا التشبيه وعلى أهمية الجوائز والفعاليات المصاحبة لها وللفائزين بها، والتي أصبحت مثل كرنفالات تسويق، بحجة أن الأدب بحاجة لترويج. ولكن أي تراكم معرفي تصنعه هذه الفاعليات «الترويجية»؟. هل حققت حالة قرائية نوعية؟، هي خلقت قراء لما هو رائج، والمفارقة أن أغلب ما هو رائج هناك خلاف حوله، حتى بين من يهللون لهذه الحالة «التسويقية»، على قيمته الأدبية والدليل هو الضجة التي تثار بعد إعلان نتائج كل جائزة والتساؤل الدائم عن غياب النقد. ما هو أبعد من ذلك أن تسليع «الأدب» يجعل هناك إمكانية لـ«الغش» الثقافي، وهو ما يمكن رصده ولكن لا يمكن محاربته بسبب التواطؤ غير المعلن بين أرباب الأدب الجدد والكتاب والقارئ الجاهز مسبقا لحمل الكتب «الماركات»، كما يرتدي قطعة ملابس من ماركة معينة، ويجلس على مقهى عالمي معروف ليشرب قهوة عالمية ذات مسمى معروف كماركة أيضا، ثم يفتح هاتفه النقال ليعرف موعد فعالية الكاتب صاحب جائزة السنة.