القبس

القائمة الرئيسية
الرئيسية / كتاب وآراء / اتجاهات / نهاية القوافل في المركز الفرنسي

نهاية القوافل في المركز الفرنسي



حضرت في الأشهر القليلة الماضية عدة محاضرات لأساتذة فرنسيين متميزين في المركز الفرنسي لعلوم الآثار والعلوم الاجتماعية في الكويت. وتميز المحاضرون بثقافتهم الواسعة، إن كان في السياسة أو التاريخ أو الاقتصاد. كما تميزوا بتمكنهم من اللغة العربية التي أتاحت لهم الفرصة أن يقدموا محاضراتهم في جامعة الكويت، إضافة إلى المركز الفرنسي. أما آخر محاضرة استمعت إليها فكانت غير متوقعة، عنواناً وموضوعاً، وقدمها الأستاذ الشاب في جامعة السوربون فيليب بيتريه، وعنوانها: «نهاية القوافل»، وموضوعها عن التبادل التجاري في المنطقة عن طريق قوافل الجمال، الذي انتهى تقريبا عام 1935، لاستخدام النقل البري بالسيارات بديلا وإلى ترسيم الحدود بين الدول العربية بعد اتفاقية سايكس بيكو عام 1916 وتشكيل الدول العربية وفقاً للحدود أعاقت تجارة القوافل.
وقد بدأ د. فيليب محاضرته بالإشارة إلى قافلة ضمت حوالي 1500 جمل أرسلها الشيخ مبارك الصباح إلى نجد عام 1905، شدت اهتمام السلطان العثماني، الذي عرف أنها كانت متوجهة إلى ابن سعود – غريم حليف السلطان ابن رشيد. كما بين المحاضر كيف أنه عندما حوصرت الكويت في تلك الفترة، فإن البضائع من الكويت إلى نجد كانت تنقل عبر البحر إلى ميناء جبيل ثم بالقوافل إلى نجد. وتحدث عن المخاطر التي كانت تواجه القوافل على الرغم من تأمين السلطان العثماني لهذه الطرق. فكانت القوافل تتجنب مثلا النقل مباشرة من دمشق إلى بغداد. وقدم صورا لبدايات النقل البري بالسيارات من بينها صور لباصات شركة نيرن الإنكليزية التي كانت تنقل الركاب من بغداد إلى دمشق وإلى حيفا في فلسطين. وأطلعنا على صور لتجار من نجد كانوا يقيمون في دمشق، من بينهم محمد البسام، ومحمد باشا العصيمي، وابن الرواف. وكانت الصورة أخذت في عام 1920، هي الفترة نفسها التي كان يعيش فيها والذي كان صديقا للعصيمي والرواف.
هذا ويبدو أن المركز الفرنسي للآثار والعلوم الاجتماعية قد أخذ يضيف إلى حيوية الحياة الثقافية في الكويت، وهو دور مهم يذكر بغنى دراسات العلوم الاجتماعية في فرنسا وتاريخها العريق في هذا المجال. فقد ساهم الفرنسيون بشكل كبير في تطوير علم الاجتماع. لذا، فإن أسماء مثل دوركهايم، وتوكفيل وكومت تعتبر رائدة في تأسيس هذا العلم. ونحن في الكويت بحاجة إلى هذا البعد الفرنسي الذي نفتقده لطغيان القافة الأنجلو ساكسونية على ثقافتنا. وفي هذا المجال لا بد أن نشير إلى عمق تأثير الثقافة الفرنسية في العصر الحديث على الثقافة العربية، من طه حسين إلى عبدالله العروي وأركون وإبراهيم غليون، وعشرات المفكرين من تونس والمغرب والجزائر الذين أغنوا الفكر العربي بعد أن تلقوا علومهم في فرنسا. وعلينا أن نتذكر هنا عباقرة الاستشراق الفرنسي أمثال إرنست رينان، ولويس ماسينيون ومكسيم رودنسون وجاك بيرك.
ورينان، الذي أظهر مواقف متحيزة ضد الثقافة السامية بشكل عام والإسلامية بشكل خاص، يبقى مميزا بأطروحته عن ابن رشد (1852). وكان يرى أن الفلسفة الإسلامية ليست بأصيلة ولم تضف إلا قليلا على الفلسفة اليونانية. ويبدو أن رينان قد صعق من تخلف المسلمين في القرن التاسع عشر، ورأى أن المسلمين يغذون أطفالهم العصبية دون العلوم. لذا كانت مقولته المشهورة «قد ينشأ الطفل العربي بعقل يقظ، لكن التربية الدينية تحوله في سن العاشرة إلى كائن متعصب مدع أنه يملك الحقيقة المطلقة».
وانتقدت ريتا فرج في الحياة بتاريخ 2014/7/19 عنصرية رينان مذكرة «أن العالم الإسلامي يعيش في أزمة حقيقية مع الفلسفة، وتعرض الفلاسفة عندنا للاضطهاد الفكري، لكن هذه الأزمة التي بدأت منذ محنة ابن رشد إلى اليوم، بل بدءا من هزيمة مشروع المعتزلة، لا علاقة لها بالأعراق… بل وفدت من عوامل سياسية وتاريخية وثقافية ومن صراعات داخلية».
وعلى عكس رينان، أظهر ماسينيون إعجابا بالثقافة الإسلامية، وتأثر بالفكر الصوفي، ووجد فيه خيوط لقاء مع إيمانيته المسيحية الكاثوليكية. واعترف بالحضور الإلهي لدى غير المسيحيين في وقت مبكر مقارنة مع الفاتيكان الذي لم يعترف إلا في عام 1962. ويذكر هاشم صالح في الشرق الأوسط بتاريخ 2002/8/4، أن ماسينيون كان يرى أن «التصوف هو تجربة غير مثارة عمدا، إنها تجربة عفوية تنتج عن احتكاكنا بما هو غير متوقع، بما هو فريد من نوعه، بما لا يمكن تفسيره، بما هو فردي وآن، سواء كان فرحا وابتهاجا أو ألما وعذابا». لذا كان انبهاره بالحلاج الذي قدمه إلى القارئ العربي بوصفه شهيدا ومعلما.
لا أعرف عن تاريخ بدايات المركز الفرنسي للآثار والعلوم الاجتماعية وعن ظروف تأسيسه، لكن من ساهم في ذلك من الجانب الفرنسي والجانب الكويتي فعل خيرا أو فتح نافذة لنا على ثقافة غنية وعميقة.

د. حامد الحمود
Hamed.alajlan@gmail.com
hamedalajlan@

عن د. حامد الحمود