القبس

القائمة الرئيسية
الرئيسية / كتاب وآراء / اتجاهات / صدقة السر تقي المكاره ( 2 ـ 2 )

بعد السلام

صدقة السر تقي المكاره ( 2 ـ 2 )

التاجر الأسوة في كويت الماضي (11)



التاجر محمد علي الدخان إحسانه وصدقته في السر جعلا دعاءه مستجاباً وحفظا أهله وماله:
تحدثنا في المقال السابق عن فضل صدقة السر على صدقة العلانية، وبينا أن إخفاءها أقرب إلى الإخلاص، وأبعد عن الرياء، وأقل إحراجاً للفقراء.
وعرضنا بداية القصة الواقعية التي حدثت للتاجر محمد علي الدخان، والتي توضح كيف أن إحسانه وصدقته في السر، حفظا أهله وماله وجعلا دعاءه مستجاباً.
واستكمالاً للقصة نذكر ما رواه ابنه الأكبر علي محمد الدخان قائلاً: «إن الوالد – رحمه الله – كان مقعداً، فاهتدى باله إلى إرسال الوالدة لإحضار الأوراق الشخصية والوثائق الرسمية من مكتبه، وطلب من المسؤول العقاري للمكتب أن يقابلها عند المكتب، وكان يعرف أين يضع والدي الوثائق المهمة، وفعلاً يلتقي الاثنان عند المكتب ويحاول المسؤول فتحه بالمفتاح، إلا أن سوء الحظ كان بالمرصاد، إذ من شدة الخوف والارتباك انكسر المفتاح داخل القفل، وفي هذه الأثناء حضر جنود الاحتلال، الأمر الذي أدى إلى شدة الارتباك والخوف، فكيف تفسر لهم الوالدة ما يجري، وكيف تقنعهم أن هذا المكتب هو مكتب زوجها، وأن زوجها رجل مقعد؟! وأنها تريد أخذ الممتلكات والمستندات الرسمية منه، فمن أين لها الحق في أخذ محتويات المكتب ولم يكن لديها ما يثبت شخصيتها إلا البطاقة المدنية التي معها؟! وهم الضابط لأخذهم إلى التحقيق وما قد يعنيه ذلك من مضاعفات في تلك الأيام؟
كان هذا يحدث والرجل الكبير المؤمن في البيت يتابعهم بدعائه، ويستنجد بالله الواحد القهار أن يسهل مهمتهما ويرجعهما سالمين! ولم يخيْب الله دعاء عبده المؤمن، فخرجت عليهم وهم في هذه الحال من الارتباك امرأة عراقية كردية لا يعرف أحد من أين أتت؟ فتسأل عن الأمر؟ فيخبرانها بالذي يدور؟ فتدرك الحقيقة، وإذا بها تزأر في وجه الضابط وجنوده وتقول: إياكم أن تمسوا هذه المرأة بسوء (وهي لم تكن تعرفها من قبل)؟ إنها زوجة ذلك الرجل الطيب الكريم، الذي طالما غمرنا بعطفه وصدقاته وإحسانه، وهذا هو مكتبه، وإنني لشاهدة عليه، وأشهد الله على ما أقول، وأتحمل كامل المسؤولية، أما الوالدة فقد غمرتها الدهشة، ولا تستطيع أن تفسر ما يجري! والمسؤول عن المكتب مازال في ارتباكه، يرتعش ويتصبب عرقاً، ولا يدري ماذا ستؤول إليه الأمور في هذا اليوم المشؤوم كما يراه؟ حيث كانت هناك قرب المكتب جثة رجل منفذ فيه حكم الإعدام، وعلقت جثته على ذراع إحدى الناقلات وظلت معلقة عدة أيام بتهمة السرقة.
هنا ينصت الضابط إلى تلك المرأة، ويأخذ بكلامها وكأنها أوامر إليه، ولا تنتظر تلك المرأة أي أخذٍ وردٍ، بل تعود من حيث أتت بين طرقات السوق القديمة الموحشة في ذلك اليوم، وشبه المهجورة وبعد فترة ترجع ومعها رجل محدوب الظهر، ويظهر على محياه الجد والخبرة، فتريه القفل المكسور بداخله، وينظر الرجل ويقول هذه عملية صعبة تحتاج مبلغاً من المال للإصلاح، فتخرج والدتي من جيبها عشرة دنانير كويتية، فتبتهج أساريره، ويتجه إلى القفل اللعين، وبعملية احترافية جيدة يخرج المفتاح المكسور، ويفتح باب المكتب فتدخل الوالدة مع المرأة المجهولة، التي ساقها القدر، أما الضابط فما زال عند باب المكتب، وجنوده مع بعض المارة الذين تجمعوا مع مرور الوقت، فتأخذ الوالدة جميع ما أرادته من الصندوق الحديدي، أما المرأة المجهولة فتكتفي بمجموعة من الأقلام، والضابط وجنوده اكتفوا بزجاجات المياة الغازية الموجودة داخل المكتب لإرواء عطشهم، ويخرج الجميع من المكتب ويقفل، وتذهب المرأة المجهولة في سبيلها من حيث أتت بعد شكرها والثناء عليها وتعود الوالدة إلى المنزل، وإذا بالرجل الكبير مازال يدعو ربه الذي لم يخيب دعاءه»!

د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي
ajkharafi@yahoo.com
www.ajkharafi.com

عن د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي