القبس

القائمة الرئيسية
الرئيسية / كتاب وآراء / غَابَتْ عَنّا مُنْذُ… عُمَر

غَابَتْ عَنّا مُنْذُ… عُمَر



وظهرت مرة أخرى في مكتب رئيس الوزراء البريطاني، الذي خضع الى استجواب شعبي شجاع حول من دفع ثمن آلة صنع القهوة، التي ظهرت في صورة تناقلتها وسائل الاتصال الاجتماعي، وكانت خلفه في مكتبه، ورد عليهم بهدوء المسؤول وثقة المطمئن إلى أدائه بصورة فاتورة شراء الآلة، ومن ماله الخاص.
وبهدوء المطمئن أيضا رجعت بي الذاكرة إلى قصة تواترت في المصادر، تفيد بأن الصحابة رضي الله عنهم سألوا أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، وهو يخطب، وعليه ثوبان، وقد أعطاهم ثوبا واحدا من ثياب جاءت من اليمن، لم يغضب عمر، ولم يرها إهانة، ولم ينتصر لنفسه، ولم يستجوب السائلين، ولم يعتقلهم، ولم يسلط عليهم مخابراته وكتّاب التقارير، بل سكت برهة، ثم قال أجبهم يا عبدالله بن عمر، فقال: والله إنه ثوبي أعطيته أبي لأن ثوبه قصير، وباختصار لقد فعلوا في بريطانيا مثلما فعل الصحابة، وأجاب مثلما أجاب عمر.
عمر أوصى له بالخلافة أبو بكر رضي الله عنه، فتدثرها راغما وصاغرا، ينام على حصير ويتفيأ ظلال الشجر حتى أثّر في جنبه الحصى، يطارد إبل الصدقة بنفسه حرصا على مال بيت المسلمين، ولم يسفك الدماء في سبيلها، ولم يقطع الرحم، ولم يلبس التيجان والريش ويتفنن في صورة البلاط والبروتوكولات، ويجر رداءها بطرا وغمطا للناس، بل إنه عدها مسؤوليات وابتلاء، وليست صلاحيات ومغانم، ولذلك أوصى بألا تكون في ابنه عبدالله من بعده شفقة على آل بيته من الحساب، وجعل من الستة الذين أوصى لهم بها طلحة بن عبيدالله وسعيد بن زيد، وهما اللذان كانا ضد توليه الخلافة، حينما استشارهما أبو بكر رضي الله عنه، لم ينتقم عمر منهما، ولم تتم تصفيتهما، ولم يقل عمر هما متآمران علي، ولكنه قربهما واستشارهما، وأوصى بهما بعده خيرا، وجعلهما من أهل الشورى الستة.
المشكل اننا لم نفهم عمر، وإن كنا بالغنا في استثماره على الوجهين مدحا وذما، وعمر نفسه الذي قال لجليسه، حينما انتقد طعاما خشنا قدمه إليه، فقال: هلا اتخذت طعاما ألين من هذا، فأجاب عمر المسؤول الذي يعرف تماما مكانه، وما يستطيع أن يفعل، وأنه المستبد إذا أراد، والظالم إن رغبت نفسه، والمستأثر إن أطاع بطانته، وكان قادرا على كل ذلك، ولكنه قال: والله لو شئنا أن نملأها صلائق وسبائك لفعلنا..
عمر لم يكن جاهلا لا يعلم، ولم يكن ملاكا لا يحب، ولكن الفرق بيننا وبين عمر أنه حرر نفسه ابتداء من كل الأغلال، في حين وقعنا في عبودية نزواتنا وشهواتنا، وحب السيطرة القاتلة حتى سفكنا الدم الحرام، وأكلنا المال الحرام، وعشنا الفرعونية في أشد مظاهرها، وأقسى ملامحها إدانة عند الله وعند الشرفاء في الأرض، وشهد علينا التاريخ بكل ألسنته الحداد، ذلك الصامت الأكبر والقاسي، الذي لا يرحم حينما صبغناه بلون الدم وسواد المآسي والمظالم.. والله من وراء القصد.

د. عبدالله بن ثاني*
abnthani@hotmail.com
*أكاديمي سعودي

عن د. عبدالله بن ثاني