القبس

القائمة الرئيسية
الرئيسية / كتاب وآراء / طلاب المقاهي.. تحية لكم

طلاب المقاهي.. تحية لكم



لو أمضى الحاسد الوقت نفسه الذي يمضيه في ملاحقة الناجحين لحقق النجاح نفسه.
كنت أتابع قبل يومين باهتمام طالبين يدرسان في أحد المقاهي، وهي ظاهرة أظنها إيجابية، قد بدأت تنتشر في المقاهي الفارهة والهادئة، كان الطالبان يدرسان بشكل مشترك، ومن خلال مضمون ما سمعته عرفت أنهما يدرسان الحقوق، وإن لم يخب ظني فسوف يكون لهما شأن كبير في المستقبل لبراعتهما.
تنبهت إلى أنني الشخص الوحيد، إلى جانب شابين آخرين نبدو من خارج سرب رواد هذا المقهى، فجميعهم من الطلاب والطالبات، وبعضهم أحضر معه مُدرساً يشرح له، والآخر منهمك بعمل الواجبات، وكي لا أبدو مختلفاً، فقد فتحت اللابتوب وبدأت بكتابة هذا المقال.
الشابان اللذان ليسا من الطلبة، هما اللذان أوحيا لي بالسطر الأول من هذا المقال، فقد كانا يتهكمان خفية على بقية الطلبة، ويتبسمان ويتغامزان، وكنت الوحيد الذي انتبه إليهما لكون الآخرين غارقين بجد في الدروس.
خمنت أن هذين الشابين المتهكمين ربما لم يتحقق لهما النجاح، أو أنهما لا يروق لهما الدراسة الجدية، ولا أعرف الظروف المحيطة بهما، ولكن من حيث المبدأ فإن أكبر مشكلة تواجه الإنسان الناجح في المجتمع العربي هي الحسد و«نتف» أجنحة الطموحين على يد الفاشلين.
حين لا يجد الفاشل شيئاً يعمله، فإنه يجعل الآخرين هم شغله الشاغل، ينفق وقتاً وجهداً وتفكيراً طويلاً في كيفية إفشال الناجحين، وهو ما تنبه إليه عالم الكيمياء أحمد زويل، حين قال بما معناه أن الفرق بيننا وبين الغرب أن الأخير يدعم الفاشل حتى ينجح ونحن نحطم الناجح حتى يفشل.
في الستينات، كان هناك رجل يعيش في مدينة عربية صغيرة ونائية، ومع ذلك تمكن في ذاك الوقت من اختراع طائرة صغيرة تطير من دون طيار، وقام بتجربتها فطارت فعلاً، وجاءت ردة فعله على نجاحه نفس ردة فعل أرخميدس حين خرج من الحمام عارياً يصرخ: «وجدتها وجدتها». والفرق أن صاحبنا العربي كان مرتدياً لكل ثيابه، وهو يصرخ عن اختراعه: «طارت.. طارت». يومها لم يهتم أحد لاختراعه، وليت الأمر توقف عند هذا الحد، بل أصبح الأطفال يركضون خلفه في الشوارع ويصفقون ويهتفون: «طارت.. طارت»، حتى طار عقل الرجل، وتحول من مخترع عبقري إلى كاتب على باب المحكمة، ولم يحقق من اختراعه سوى كلمة «طارت»، التي أصبحت لعنة تطارده طوال حياته.
أعود إلى طلاب المقاهي، فأحييهم، وأخيراً وجدنا مهمة للمقاهي أروع من لعب «الجنجفة».
عدنان فرزات

عن عدنان فرزات