القبس

القائمة الرئيسية
الرئيسية / كتاب وآراء / دعوهم يركضوا.. دعوهم يلعبوا..!

دعوهم يركضوا.. دعوهم يلعبوا..!



عندما سعى علماء النفس والاجتماع إلى إيجاد تعريف لمفهوم «اللعب» لم يختلفوا على أنه طاقة ونشاط، وأعيد كلمة «نشاط»، أي أن النشاط هو ما يمثل كلمة اللعب، والنشاط يبدأ لدى الأطفال بتحريك الأشياء، لا أن تقوم الأشياء بتحريكهم. ففلسفة اللعب تقوم على الاكتشاف والطفل هو من يضع قوانين اللعبة، وهو من يسيطر عليها لا أن تسيطر عليه. إن الأطفال اليوم بأشد الحاجة إلى أرض يركضون فيها، لا إلى ألعاب يسجنون فيها، ملعب سقفه السماء، وليس صندوقا صغيرا مضاء مزخرفا بالألوان وسحر التكنولوجيا.
كم هو مؤلم أن ترى الطفل اليوم يتناول طعامه بيد، ويده الأخرى موصولة بجهاز إلكتروني تجعله تحت سيطرة العالم الافتراضي من خلال اليد الأخرى. وكأن اليد الأخرى خارج نطاق الجسد، ومع الوقت تنضم بقية أعضاء الجسد للعالم الافتراضي، حيث يفقد الطفل التواصل مع محيطه الأسري. والمحزن المبكي هو موقف الوالدين مما يجري، حيث إن صمتهما هو مشاركة في خلق عالم من العزلة الاجتماعية لأطفالهم، الذين أصبحوا أسرى لذلك المحيط الإلكتروني الضيق الذي كبر أم صغر سيبقى صندوقا ملونا يبهر الأبصار ويسرق العقول. لكنه «قنبلة موقوتة» تهدد حياة أطفالنا الاجتماعية.
إنها دعوة لكم أيها الوالدان، أن تعطوا أطفالكم متنفسا جديدا خارج نطاق التكنولوجيا، ليتعرفوا على جمال الطبيعة، جغرافيا المكان من أرض وماء وتراب، يكتشفون، يركضون، ويحاولون رؤية العالم بشكل جديد، بعيدا عن عالم افتراضي يزرع وهما يعيشه أطفالنا، وقد لا يخرجون منه. إن سر الطبيعة أنها تعطي أطفالنا في كل تجربة خبرة جديدة، فالواقع يعلم أكثر مما ترسمه الآلة التكنولوجية.
علموا أطفالكم أن العالم أكبر من «جهاز لوحي إلكتروني»، ساعدوهم ليكتشفوا أن حياتهم فيها أكبر مما يتوفر داخل ذاكرة حواسيبهم. علموهم أن ينهضوا من «توحدهم» مع أجهزتهم الإلكترونية، ويبحثوا عن «اللعب» حقا، حيث يكون الأصدقاء، وفيها تكون فائدة الجسد والعقل. أعيدوا تنظيم أوقات أطفالكم، وليكن هناك جزء خاص لبناء حياة الطفل الاجتماعية قبل أن تفقدوا الوقت وتفقدوا أطفالكم داخل عالم «التوحد».
د. عبدالفتاح ناجي
abdelfttahnaji@yahoo.com

عن د. عبد الفتاح ناجي