القبس

القائمة الرئيسية
الرئيسية / كتاب وآراء / اتجاهات / «الصفقة الكبرى» ما زالت بعيدة!

«الصفقة الكبرى» ما زالت بعيدة!



يبدو أن إدارة ترامب خلصت إلى النتيجة التي خلص إليها كل الرؤساء الأميركيين، إضافة إلى هيئة الأركان المشتركة للقوات الأميركية، منذ حرب الخليج عام 1991، أي أن حل الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني ضروري لتعزيز الأمن الإقليمي ومصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية في الشرق الأوسط.
وعند النظر إلى المسألة من هذه الزاوية، فإن النضال من أجل العدالة للفلسطينيين لا يعود غاية لذاته، بل ثمن كان لا بدّ من دفعه حتى تتمكن الولايات المتحدة من تعزيز تحالفاتها الإقليمية من أجل مواجهة التهديدات للاستقرار، سواء في تصديها لأطماع صدام أو عدوان إيران أو الحركات الإرهابية الأخرى.
فهذا التقييم الجديد للدور العملي للسلام الإسرائيلي – الفلسطيني دفع الرئيس ترامب إلى التراجع عن بعض مواقفه الاستفزازية تجاه الصراع أثناء حملته الانتخابية. فقد توقف عن الحديث عن نقل السفارة الأميركية إلى القدس، وعبّر عن تحفظاته إزاء برنامج إسرائيل للتوسع الاستيطاني. وفي حين لم يمارس الرئيس ترامب ضغوطا علنية على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، إلا أنه أكد التزام إدارته بحل الدولتين.

شروط مسبقة
كل هذه «الإشارات» المقرونة بزيارة المبعوث الأميركي الخاص لإسرائيل وفلسطين، أثارت التوقعات بأن إدارة ترامب ربما تكون جادة في تحقيق «الصفقة الكبرى» التي تتضمن سلاماً بين إسرائيل والفلسطينيين.
واتفاق سلام إقليمي بين إسرائيل وحلفاء واشنطن في العالم العربي.
ومما عزز هذه التوقعات ورود تقارير بأن زيارة المبعوث الأميركي غرينبلات تركت نتانياهو في حالة عدم ارتياح وقدمت لمحمود عباس بعض الضمانات.
ولا يمكنني الاتفاق مع هذا التقييم لأسباب عدة، وما زلت عند تشاؤمي إزاء التعاطي الأميركي مع هذه المسألة برمتها. أولاً، قادة إسرائيل لا مصلحة لهم بحل معقول يلبي الحدّ الأدنى من المطالب الفلسطينية. فقد وضع نتانياهو أثناء وجوده في واشنطن عدداً من الشروط المسبقة للتفاوض، أهمها وجوب اعتراف الفلسطينيين بــ«يهودية الدولة» والسيطرة الإسرائيلية الكاملة على الأراضي الواقعة غرب نهر الأردن. فالاعتراف بــ«يهودية الدولة» يعني القبول بوضع المواطنين من الدرجة الثانية لإخوانهم داخل إسرائيل.
وفي ما يتعلّق بالاستيطان، هناك تقارير بأن نتانياهو يسعى للحصول من إدارة ترامب على اتفاقية أفضل من تلك التي حصل عليها أريئيل شارون من الرئيس جورج دبليو بوش. فالإسرائيليون يريدون إذناً أميركياً لمواصلة الاستيطان، وهم لا يقبلون بأي قيود على البناء في القدس الشرقية التي تشكل 10 في المئة من مساحة الضفة الغربية، وتضم 22 قرية فلسطينية، إضافة إلى المدينة المقدسة، كما أنهم لا يقبلون بأي قيود في وادي الأردن. وفي ظل هذه الشروط المسبقة، لا يتبقى للفلسطينيين سوى سلسلة من الكانتونات غير المترابطة التي لا يمكن أن تقام عليها دولة قابلة للحياة.

تشاؤم
نتانياهو يؤمن بالحفاظ على سيطرة إسرائيل على كامل «أرض إسرائيل»، وعمل على توسيع المستوطنات من أجل تحقيق هذا الهدف، ولكنه تعلم كيف يتظاهر بقبول حل الدولتين لتخفيف الضغوط الدولية، وفي الوقت ذاته يواصل بناء المستوطنات ومصادرة المزيد من الأراضي الفلسطينية.
أما التكتيك الآخر الذي لجأ إليه نتانياهو، فهو الزعم بأنه لا يستطيع تقديم الكثير من التنازلات في موضوع الاستيطان، حتى لا يؤدي ذلك إلى انهيار الائتلاف الحكومي. ولو كان هو راغب بالسلام لشكلَّ ائتلافاً مع شركاء آخرين من الوسط ويسار الوسط.
ومن دواعي التشاؤم كذلك وجود أكثر من 600 ألف مستوطن يعيشون في الضفة الغربية والقدس الشرقية حالياً، وأي حل منطقي يستدعي إخلاء هؤلاء المستوطنين، وهو الأمر الذي لا يتخيّل أن تقدم عليه الحكومة الإسرائيلية الحالية.

فرصة للسلام
وأخيراً، المطلب الإسرائيلي الذي وافقت عليه واشنطن بأن يأتي أي حل من المفاوضات المباشرة بين الطرفين من دون تدخل دولي يعني موت هذه العملية قبل أن تبدأ. فهناك اختلال هائل في موازين القوى بين الطرفين. فإسرائيل هي قوة الاحتلال التي لها السيطرة الكاملة على الضفة الغربية، والسلطة الفلسطينية لا حول لها ولا قوة، وغياب الدور الخارجي يعني إملاءات إسرائيلية، لا مفاوضات، كما يحدث منذ سنوات. وهو الأمر الذي ينذر بكارثة.
الدول العربية ربما ترغب بمنح الرئيس ترامب الفرصة لعقد مؤتمر دولي للسلام، ولكن ما لم يكن البيت الأبيض راغباً باتخاذ موقف صارم إزاء متطلبات السلام العادل، لا سيما التصدي لسياسات إسرائيل الاستيطانية، فليس من المتوقع أن تتحقق «الصفقة الكبرى» أو حتى التحالف الإقليمي برئاسة الولايات المتحدة، في أي وقت قريب.

د.جيمس زغبي *
رئيس المعهد العربي الأميركي في واشنطن

عن د. جيمس زغبي