القبس

القائمة الرئيسية
الرئيسية / كتاب وآراء / لو كان رمسيس يدري؟!

لو كان رمسيس يدري؟!



لو كان الأمر بيدي لأقمت سرادقا معتماً للعزاء، على روح المطرية القاهرية، على تاريخها المدفون تحت أقدام الغلابة والمشردين وأبناء السبيل، لو كان الأمر بيدي لقدمت ما تيسر من اعتذارات إلى ملك مصر، الذي وضع بلاده على أول سراديب الحضارة، وآخر حفريات النهار.
إنه شعب رمسيس غير المختار، يجهل ما كان وما سوف يكون، يصفق بسذاجة أهل التيه، وهو يستقبل التمثال المغوار، بعد أن خرج ملطخاً بالطين من باطن الجاهلية الصماء.
لو كان الأمر بيدي، لحجزت الصفحات الأولى بصحف العالم «المتعالية»، متوسلاً إلى ملك مصر العظيم، الذي بنى أول جامعة في التاريخ، وأعرق معبد في الخليقة، ربما يقبل أسفي الشديد «على ما فعله السفهاء منا» بتمثاله المهيب، وهو في حضرة تمثال والده العبقري سيتي.
لو كان لي صفة أو حيثية أو رُبع فرصة لذهبت إلى جثة رمسيس الثاني المحبوسة داخل صندوق زجاجي مُغبر بدار الآثار المصرية، كي أصارحها بآلامي وأيامي، بأحلامي وآثامي، إنهم أحفادك المهمشون، لم يكونوا عند حسن ظنك بهم، ولم يفهموا ما كنت تحققه لهم قبل أربعة آلاف سنة، لم يتذكروه، لم يثمنوه، وربما لم يعرفوه، مشكلتهم أنهم لم يدرسوا علوم الحياة في جامعتك، التي علمت أفلاطون الفلسفة والفلك، ومصيبتهم هي مصيبة الزمن الذي تعلموا منه أعتى فنون الجهالة والضلال، فصاروا كما ترى، حفاة، مشردين، معوزين، مصابين بالفشل الرسمي والشعبي، وفيروس سي.
لو كان الأمر بيدي لأخرجت تمثالك المعجزة بطريقة تليق بجلالتك، تتفق وعظمتك، تتسق بعلمك وبطولاتك وقيمتك.
لكن ما باليد حيلة، إنني ابن هذا الزمان، صورة طبق الأصل من هذا المكان، شقيق أصيل للضالين من أحفادك المعذبين، رفيق طريق للجهل والحماقة والبؤس والسلبية والابتلاء.
ما باليد حيلة يا مليكنا الممتد، يا حاكمنا المتوج بالعلوم والفنون والخلود، أنا عاجز عن الأسف، قومي الذين هم قومك لا يمتلكون من أنفسهم شيئاً، لا حول لهم ولا قوة، لا سلطان لديهم ولا عزوة، لا جاه ولا مال ولا فكر رشيد، ولا قدوه حسنة أو إمام مستنير.
كل ما هنالك بضع أغنيات على شاطئ النيل العتيق، قوافل متسكعين على ضفاف الحضارة «باللب والبطاطا الحلوة والترمس المملح وأكواز الذرة المشوية ولفائف البانجو وتذاكر الهيرويين».
حتى عندما تنبه علماء الآثار المصريون، وفي معيتهم بعض «الضيوف» الألمان، وهم يستخلصون تمثالك النبيل، رفضت روحك الكبيرة أن ترى واقع المطرية الأليم، شعبها ممزق الثياب، محول الطلة، مطأطئو الرؤوس والرقاب.
فانفصل رأسك الشامخ عن جسدك الرهيب، لعله يريد أن يقول لأيامك الآفلات: لو كان رمسيس يدري أن شعبه سوف يصادق الذل والهوان، أن سيدة الرغيف التي شقت ملابسها كمداً على حصتها المنهوبة من خبز مستحق في قرية مصرية فقيرة، مازالت تلطم خديها وتعاني الأمرين حتى الآن، لو كان «رمسيسنا» يدري لأصدر أوامره لنحاتيه الأجلاء فوراً مانعاً إياهم من أن يضعوا إصبعاً واحداً في تمثاله المنكوب، حتى لا يستيقظ فجأة بعد آلاف السنين، فيجد نفسه بين فكي البلدوزر المريب مُحاصراً بالقيل والقال وفريق التنقيب.
أسامة مهران

عن أسامة مهران