القبس

القائمة الرئيسية
الرئيسية / كتاب وآراء / شر ما في رجل

شر ما في رجل



يفتح الله سبحانه وتعالى على بعض القلوب ما ينغلق على البعض الآخر، ومن يهده الله إلى مجموع حال، بالنظر في الأمور بالعدل والعلم؛ المبنيّ على المعرفة بمنهج مقاييسه سليمة، ثم التمسك بأسباب البصيرة والاهتداء، فإن الله تعالى يستجلب له التوفيق، ويقوده إلى الحق في الوقوف على ملابسات النوازل والأحداث، وإجلاء ما وقع فيها من الالتباس، قال تعالى: «والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم».
تفسير واستخلاص نتائج ومآلات القضايا والأحداث؛ يتطلب، بعد التوفيق من الله، التزام أسباب البصيرة والاهتداء، للتوصل إلى الحقيقة، بفهم سليم واتخاذ موقف سديد، لكن كل من يكون فكره عاجزا عن التفكير الموضوعي، أو مؤدلجا مكابرا على الحق، معطل الأنا عن الوصول إلى المرحلة المعرفية، كأن يكون مقيدا؛ بدوافع حزبية أو فئوية، فإنه يكون مجانبا للعدل والعلم والصواب، مخالفا للحقيقة، لأن فكره مبرمج على الاستنباط الاعتباطي، والتفكير الإقصائي، مسير ومدفوع بالصد عن الحق إلى التخاذل والضلال والتطرف.
قلّ من تجد بين أصحاب منابر الوعظ أو الرأي أو السياسة؛ حين الحديث عما يهم الناس، يحسن قراءة وفهم وتحليل التحديات والأحداث التي تحيط بِنَا؛ متوسما في أمورها، يفسرها بملكة نظر صائب، ورأي حصيف متأنّ؛ مفكرا ومقدرا، ومدققا ومحققا، حكيما رزينا ناصحا سديدا أمينا، في تطلع صادق، مستنبطا الحقيقة بالقرائن والدلائل، ليصيب بفكره ما يصيب الرامي بنبله، ويرمي ببصيرته ما يروم العاقل بعقله، فيبدي الرأي والحكم بالحق، فقيها فيه بفهم الواقع.
إن أهم وأخطر منبر تنويري إصلاحي تنموي هو منبر خطبة صلاة الجمعة، وللأسف قد تم تعطيله أو تمييعه، فلم تعُد الخطبة تقوم بواجبات رسالتها، ولم تُعدّ وتصاغ بالمستوى الذي تفي به حق وظيفتها، والقيام بتمام دورها، فهناك تقصير كبير من القائمين على الرسالة المنبرية في تهيئتها وفق شروط وضوابط المنبر التي أسس لها الرسول الكريم بأقواله وأفعاله، بمادة فكرية؛ تخاطب العقل قبل المشاعر، مستوعبة الجوانب الاجتماعية والنفسية والمعيشية والسياسية للمجتمع، تلخص أحداثه وتستعرض تحدياته؛ بمنظور مقتضيات ضوابط العقيدة وتعاليم الشريعة.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «شر ما في رجل شح هالع وجبن خالع»، فحينما يكون صاحب المنبر مقصرا في إخراج الحق الواجب عليه؛ رأيا وفعلا، بالعزوف عن تناول ما يجري على المسلمين، مدعيا في الحلم تُكأة يبرر بها عزلته؛ تكاسلا وضعفا وطلبا لراحة البال؛ فذلك ليس من العِلم والعدل والحلم والصواب، وإنما هو من نوازع أفكار الورع الفاسد؛ ونقص إيمان، وتلبُّس بباطل يظنه حقا، وفتنة يحسبها رشاداً، وسكوت يظنه ورعا محمودا، وهو في الحقيقة عجز مذموم! ولامبالاة وتبلد في المشاعر؛ تجاه مواضع العبر، وتجاه مصائب المسلمين، وذل يورث في القلب واكتئاب واستكانة وقسوة.
حجاج بوخضور

عن حجاج بوخضور