القبس

القائمة الرئيسية
الرئيسية / الأولى - ثقافة وفنون / جعفر العقيلي: كنت أستشرف الآتي

جعفر العقيلي: كنت أستشرف الآتي

جعفر العقيلي


عمان – مؤيد أبو صبيح |

يسجل للشاعر والقاص جعفر العقيلي حضوره المتميز في المشهد الثقافي الأردني الحديث، من خلال إصداراته المتنوعة في «الشعر والقصة والنقد» وسواها من الكتب الأخرى.
يقول العقيلي في حوار مع «القبس» «في قصصي شهادة يمكن الاعتداد بها عند إعادة تدوين سيرة الحراك الشعبي في الأردن الذي أفضى إلى إصلاحات سياسية ودستورية ما تزال مستمرة إلى اليوم». ويبين أنه عزف عن كتابة الشعر كردَّ فعل على موجة الاستسهال التي تملأ الساحة، حتى ان أحدهم يصدر المجموعة تلو الأخرى وهو بعدُ لم يبلغ النضج. وصدر للعقيلي سابقا في الشعر والقصة والنقد والحوارات والتي من بينها «للنار طقوس وللرماد طقوس أخرى» شعرا، وفي مجال القصة «ضيوف ثقال الظل»، و«ربيع في عمّان» و«كمستير» وغيرها.
وهو عضو في رابطة الكتاب الأردنيين والاتحاد العام للكتاب والأدباء العرب ونقابة الصحافيين الأردنيين، ويعمل حاليا سكرتيرا لتحرير الدائرة الثقافية بجريدة الرأي الأردنية، ومدير عام دار «الآن» للنشر والتوزيع بالأردن. القبس التقته وكان هذا الحوار.

◗  يفاجأ المرء بأنك درست الكيمياء في الجامعة، هل من علاقة تراها بين الكيمياء والأدب؟
ـ رغم إيماني بأن هناك مسافة كبيرة بين ما يتعلمه المرء في حياته (كالكيمياء) وبين ما هو فطري (كالموهبة) في كتابة الأدب، فانني أقرّ بأن ثمة انعكاسات لدراستي الكيمياء على تجربتي الأدبية، وتحديداً الحرص على البناء الفني المحكم في القصة أو القصيدة، والذي يحاكي البناء المحكم في تفاعلات الذرات بعضها مع بعض لإنتاج المركب المطلوب. هناك أيضاً الاهتمام بالتفاصيل وبالنتائج وتوازن النِّسَب فكل عنصر يكون حضوره بمقدار.

من الشعر إلى القصة
◗  كأنك بدأت شاعراً وتحولت إلى القصة، فإصدارك الأول شعريٌّ يحمل عنوان «للنار طقوس وللرماد طقوس أخرى»، وهو يتيمٌ، بينما توالت إصداراتك في القصة بعده. لماذا أقلعت عن الشعر؟
ـ لم يكن إقلاعاً عن الشعر بقدر ما هو عزوفٌ عن إصدار كتب فيه، والدليل أنني شاركتُ في فعاليات شعرية عربية بعيد صدور مجموعتي الشعرية الأولى (1994) وحتى وقت قريب، كما نشرتُ كثيراً من قصائدي في المجلات والصحف.
ربما كان التوقف عن إصدار مجموعات تالية لمجموعتي الشعرية الأولى ردَّ فعل على موجة الاستسهال التي تملأ الساحة، حتى ان أحدهم يصدر المجموعة تلو الأخرى وهو بعدُ «لم يفقس من البيضة».
حتى حين أعود إلى قصائدي القديمة التي كتبتها قبل أزيد من ربع قرن أجد فيها نضوجاً يدفعني لإنهاء عزوفي عن النشر وهو ما أفكر فيه هذه الفترة.

ضيوف ثقال الظل
◗  نالت مجموعتك القصصية الأولى «ضيوف ثقال الظل» (2002) احتفاء نقدياً عربياً واسعاً، ومن قصصها ما ترجم للغات أخرى كالإنكليزية والروسية، ومنها ما أُقرّ في مساقات جامعية، ومنها ما حوّل إلى سيناريوهات أفلام سينمائية، ومنها ما فاز بجوائز أدبية، كما صدرت منها طبعة ثانية في 2015، حتى إن اسمها أثار لغطاً حين أوّله أحد النقاد بسوء نية، حدثنا عن عوالم هذه المجموعة؟
ـ قصص هذه المجموعة أثيرةٌ لدي، لأنها أنعكاسٌ لما مرّ به أبناء جيلي من تصدعات طالت البنية الفكرية والثقافية والوعي الجمعي للأمة منذ التسعينات؛ العقد الذي شهد تحولات عاصفة أجْهَزت على الكثير من اليقينيات وفتحت الأبواب مشرعة أمام الشّك والسؤال الذي يجاهد ليعثر على إجابة، وما من جدوى!
يمكنني القول بكثير من الثقة إنها لسان حال أبناء جيلي الذين تفتّح وعيُهم على مفترق طريق، والمفارقة أنها جميعها طرقٌ وعِرَة تفضي إلى المجهول. كنت أحاول في الكتابة استشراف الآتي؛ وها قد أتى بحجم توقُّعاتي، وكما ترى؛ فالأمور لم تتحسن والنفق المظلم يزاداد إظلاماً.

إلى الواقع..
◗  في مجموعتك القصصية «ربيع في عمّان» (2011) إسقاطات سياسية لا تُخطئها عين، وفيها واقعيةٌ مقتصدة في مفرداتها. ماذا أردتَ أن تقدم في هذه المجموعة التي نُوقشت في أطروحة ماجستير في جامعة باتنة الجزائرية؟
ـ إذا كنتُ قد لجأتُ إلى الغرائبية والفانتازيا في «ضيوف ثقال الظل»، فإنني في «ربيع في عمّان» التي صدرت منها طبعة ثانية (2014)، ذهبتُ إلى الواقع بكامل وعيي. كان الاختبارُ أن أحوّل الواقعيّ إلى فنيّ، محاذرا السقوط في وهدة المباشرة والخطابية. ويا له من اختبار!
ويزداد الأمر صعوبةً حين يكون الحديث عن وقائع يومية تتصل بالسياسيّ والجمعيّ والهم العام، فالقصة التي تحمل المجموعةُ اسمَها «ربيع في عمّان» هي -وفق ما أعلم- أول مدونة سردية تتناول «اعتصام دوار الداخلية» الشهير، يوم 24 مارس 2011، وهو حدثٌ مفصليّ في سياق النسخة الأردنية من «الربيع الأردني»، الذي أفضى إلى انعطافة كبيرة في العلاقة بين السلطة والشعب.
نعم؛ «المعاصرة حجاب» كما يقولون، وليس بالهيّن أن تتجاوز هذا الحجاب، لكن حسبي أنني قدمته شهادة للتاريخ على ما جرى في ذلك اليوم، وهي شهادة يمكن الاعتداد بها عند إعادة تدوين سيرة الحراك الشعبي في الأردن الذي أفضى إلى إصلاحات سياسية ودستورية ما تزال مستمرة إلى اليوم.

سن الحكمة
◗  في مجموعتيك القصصيتين الأخيرتين «تصفية حساب» (2014)، و«كمستير» (2015)، ولجت منطقة أخرى تتعلق بما يمكن دعوته «المبلوع من الكلام» في العلاقة بين نصفي التفاحة (آدم وحواء). وقد تطلّب هذا منك التعامل مع تقنيات سرد محدّدة ومستوى عالٍ من اللغة، بخاصة في المونولوج والاستذكار، ألا تكفّ عن التجريب؟!
ـ هو سنّ الحكمة يا صديقي كما درجت العادة على تسميته. سنّ الخبرة والنضوج، وفيه نبدأ بمعاينة الأشياء من زوايا جديدة، ولا نعود نتمسّك باليقين والقارّ والمسَّلم به. أرواحنا تصبح -بعد الأربعين- توّاقةً إلى التأمّل، تنشد السكينة، وتغدو نظرتنا للآخر -أيّاً كان هذا الآخر- على نحو من الفرادة التي نُفاجأ بها.
ولا شكّ أن لكثرة التجارب وتعددها وتنوعها، وتتابع الأسفار والرحلات واكتشاف مناطق جديدة في الجغرافيا تفضي لاكتشاف مناطق معتمة في الذات، كل ذلك له دوره في هذا التوجه. أصبحت في قصصي الأخيرة أقرب إلى نبضي، إلى إحساسي بي ومن ثم بالآخر، وهو ما استدعى حضور الانثيالات، والتداعي الحر والمونولوج، وجعلني أكتب بلسان الراوي المخاطَب.
دعني أشبه مناخات ما أكتبه في هذه الفترة بأغنيات فيروز في السنوات العشر الأخيرة. يصعب أن أشرح أوجه التشابه لكنني أحسها، أحسها جيداً.

الصحافة والأدب
◗ تعمل منذ ربع قرن في الصحافة الثقافية؛ أيُّ تأثير للصحافة في إبداعك؟
ـ عند الحديث عن هذه المسألة، تتبادر إلى ذهني فوراً تجربة القاص والروائي الكبير محمود الريماوي، فإذا كنتُ قد زاملته في العمل الصحافي في غير موقع، وكان هو قد وفرّ لي الفرصة لذلك، فلا بدّ أن أكون قد تأثرتُ بوجهة نظره في العلاقة بين العمل بالصحافة والكتابة الإبداعية، ولا بد أنني طبّقتُها بهذا المقدار أو بذاك بين حين وآخر، أو تجربة وأخرى.
العمل في الصحافة الثقافية أتاح لي الاطلاع على مجمل ما تنتجه الساحة الثقافية العربية، بتجلياته المختلفة، وهو ما أسهم في بلورة موقفي من النص الأدبي بعامة (جودة المنْتَج) وجعلني أتنبه إلى المثالب والهنات والثغرات التي قد يقع بها هذا الكاتب أو ذاك في نصه. بمعنى آخر؛ أصبحت أكثر قدرة على تحديد موقع قدمي في هذا الدرب الطويل، وعلى صعيد آخر أفدت من تقنيات الاشتغال في الصحافة في نصي الأدبي، وهذا يشمل الاقتصاد في اللغة، والاختزال، ووضوح الفكرة، والانتقال من فكرة إلى أخرى بخفّة، فضلاً عن الحرص على وصول نصي إلى القارئ مهما تكن أبجديته الثقافية أو الفكرية.

عالم النشر
◗ انتقلت مؤخراً إلى عالم النشر من خلال تأسيسك لـ«الآن ناشرون وموزعون» التي تديرها. لماذا هذه التجربة، وهل ما زلت تؤمن بأن «المطبوع» قادرٌ على مواجهة «الإلكتروني» في ظل هذه التحولات التي يشهدها عالمنا؟
ـ تأسيس دار نشر حلمٌ راودني منذ وقت مبكر، وبخاصة وأنا أعاين عند كل إصدار من إصداراتي علاقة الناشر بي بوصفي كاتباً. كان طموحي أن ترتقي هذه العلاقة إلى مصافّ ما هو معمول به عالمياً، فثمة تقاليد نسمع ونقرأ عنها في العلاقة بين الطرفين تجعل الكاتب منا في العالم العربي يحسدُ نظيره في الغرب نظراً للعلاقة المتكافئة والسوية بينه وبين الناشر.
أحاول في مشروعي هذا أن أجعل الكاتب شريكاً، فلكل منا دوره في ترويج الكتاب الذي هو منتَج أو سلعة في نهاية المطاف. نهتم بالتفاصيل ليصدر المنتَج ويخرج إلى السوق بأفضل حُلّة، ونظلّ على تفاعل مع الكاتب لإنجاح العملية التي هي تشاركية في الأساس.
أما عن «المطبوع» ومواجهته لـ«الإلكتروني» فأنا لا أعتقد أن العلاقة بين هذين الشكلين أو الصيغتين هي علاقة إقصاء، أو أن يلغي أحدهما الآخر، وأنا مؤمن بأن «الورقي» لن يغيب عن المشهد أبداً، ولن يحل «الإلكتروني» محلّه، لنقل ان لكل منهما أتباعه ومريديه وعشاقه. ومن هم في جيلي ما يزال يربطهم بالكتاب الورقي حبل سرّي لا ينقطع.