القبس

القائمة الرئيسية
الرئيسية / كتاب وآراء / في رحيل «قدّيسة»

في رحيل «قدّيسة»



الآخرون يرون أمَّك عجوزاً عمرها يناهز التسعين؛ لذا فموتُها أمر طبيعي.. يستغربون حزنك الباذخ عليها.. ربما يقولون: الشباب يموتون كل يوم لأسباب، وبلا أسباب.. تعددت الأسباب والموت واحد.
قبيل أن نشيع النعش إلى مثواه الأخير.. استغرب أحدهم بكائي هامساً في أذني: «يا راجل انت كهل وتقترب من الشيخوخة، فكيف بأمك؟.. هل تركتك تحبو وترضع؟».
مات شقيقك الأكبر فلم تحزن بشدة، كما نراك الآن، وكنتَ راسخا.. ومن قبله ماتت أختك فلم تبكها سوى سويعات.. مات أقارب وأصدقاء، فكنت تفلسف الرحيل وتعده بقاء وراحة وخلاصا.. فلماذا لا تُجرِ النظرةَ ذاتها على موت أمك، لتعود سريعاً إلى صخبك وبهجتك؟
أنت الذي تلوم أصدقاءك المقربين على حزنهم الكبير إبان موت أعزاء لهم.. كنت تقول: لِمَ تبالغون؟ ألسنا راحلين جميعا؟ أليست الحياة رحلة ـــ عبثية، كما تصفها – مُرَحِّباً بالموت في كل وقت، مستعجلاً مجيئه أحياناً؟ فلمَ تغلقُ روحك الآن على حزن باذخ وألم هائل؟ أين ذهبت أفكارك ورؤيتك التي تفلسف الموت؟
كم من مرات جالست أمك وطالعت تجاعيد الزمن على وجهها فرثيتَ لحالها، وقلت في نفسك: الموت أرحم من علل الجسد والمعاناة اليومية.. وما دمنا سنرحل عاجلا أم آجلا، فأهلا بالموت العاجل..
لماذا إذاً، أنت مبتئس وحزين؟
في الحقيقة، كنتُ متوقعا موت أمي، ولم أُباغت به.. ولقد ودَّعتُ جسدها وقبَّلتُ يديها وبكيتُ لبرهة وأنا أعانق جسدها العناق الأخير.. ثم شيعتها إلى قبرها.. وعدت وجمع المعزين صلبا قويا.. ليلتها أكلتُ ونمتُ.. وفعلتُ كل ما اعتدت عليه سابقا.. لكني أفقت الآن على صدمة هائلة.. وكأنَّ جبلا من الحزن يجثم على صدري.. يا إلهي ماتت العجوز الجميلة الشابة روحا وأملا.. ماتت صاحبة الثمانين صبرا وحلما ودهرا.. ماتت القديسة التي باعت الدنيا كلها لتبتاع رجالا يشار إليهم «أن هؤلاء أولاد فوزية محمد عبد النعيم».
تجلس على مائدة الطعام.. تُمثِّل أنها أكلت لحما، بينما توزِّع قطعه القليلة علينا.. تشتري 5 برتقالات بعددنا نحن الأبناء الخمسة.
ـ وأنت يا أمي؟
ـ أراكم تأكلون فأشبع.
القديسة تفاخر أحيانا بأن أباها عمدة وجدها أول قاض عرفي في الصعيد.. لكن ثروتها الحقة الباقية أبناؤها.. لذا لا تخجل من حمل الرمل ومواد البناء على رأسها، حينما شرعوا في بناء بيت لهم.. القديسة توفر النفقات على حساب صحتها وجسدها.
القديسة ترتدي الأسود طوال عمرها.. «البسي ألوان يا ست انتي.. جبتيلنا الغم بالأسود ده» أقول ممازحا.. فترد: «أنتم فرحي وسعادتي رغم الأسود».
«شفت الواد الصغير في التلفزيون».. هكذا تصفك القديسة وتقول لصديقاتها: بيشتغل في الصحافة وشاعر.. ضيع الفلوس على الجرايد والورق بس نفع وبقى حاجة كبيرة.. حتى يوم زفافك تقول: الواد الصغير هيتجوز النهاردة.. وتوصي زوجك: خلي بالك منه: الواد الصغير «رهيف عامل زي زرع الزير».
وأنا بجانب جثمان أخي في أحد مشافي القاهرة جاءني صوتها عبر الهاتف: ازيك يا محمد عامل إيه أخوك؟
– كويس جداً يا أمي.
– اعطيهوني أسلم عليه.
– نايم يا أمي.
– انت كداب يا محمد.. حاسة إن أخوك مات وانت ناكر مني.
ما إن دخلنا البيت بالجثمان: احتضنتني بلا دمع، ولا انتحاب: «أقولك إيه: شدوا حيلكم هوة أخوكم حد قتله.. ده أجله كده.. كملوا مسيرته وادعوا له بالرحمة أوعوا تبكوا.. الحزن يجيبلكم الأمراض».
كلما اقتربتُ من باب غرفتها ليلاً أجدها تنتحب وتنعي أخي بعدودات مؤلمات تارة، وبالتحدث إليه تارة أخرى».
ما من مجلس سمر حتى تحكي القديسة عن لحظة رحيل أبي.. «كان عمرك 3 سنين، أبوك قالي: أوعي تضعفي وكملي رسالتك مع العيال وكل الناس هتموت ثم طلعت روحه».. القديسة الشابة الجميلة أكملت الرسالة كأجمل ما تكون.. نبية ورسولة من أولي العزم.. رحلت بعد ثمانين عاما.. من القتال والحفر في جبال العمر وحوائط الحياة حتى شقَّت طريقا للأيتام.. وكانت لهم سفينة نجاة في بحر الحياة، عاركت الدينا كلها.. خاضت صراعات انحيازاً إلى حبات قلبها.
بموت القديسة انهار جدار هائل كان يسند ظهري.. فأجدني الآن هشا ضعيفا فقيرا حتى لو كنت أملك قوة ومالاً.. النبية رحلت.. حق للسماء أن تبكي والأرض تنتحب.. ربما يأتي يوم وأتماسك لأمضي على الدرب الذي حفرته بأظافرها ونور بصرها.
محمد توفيق

 

عن محرر القبس الإلكتروني