القبس

القائمة الرئيسية
الرئيسية / الأولى - القبس الدولي / «المتنبي» يحشد العراقيين على ضفاف دجلة

تحقيق

«المتنبي» يحشد العراقيين على ضفاف دجلة

زحام شديد.. وشبه جزيرة معزولة وسط بغداد



بغداد ــــ نزار حاتم |

العراق ـــ وهو يشيّع قتلاه بلا انقطاع لتحرير الأرض من مخالب الإرهاب ـــ قد تبدو صورته جهمةً وملطخة بالدم، والحياة فيه بكل تجلياتها المبهجة ممنوعة اللمس بالفرح والآمال الجميلة.
هكذا تبدو النظرة العامة للعاصمة، بغداد، بينما الحقيقة التي تبدو للبعض غاطسة هي أن العراقيين مُصرّون على رؤية وطن أجمل رغم كل الجروح والنار، والفساد، والصراع السياسي المرهق للجميع ساسة ومواطنين.
هذا الإصرار اللافت يلحظه بوضوح من تقوده خطاه الى شارع المتنبي الذي ظل منذ زمن بعيد معلماً حيويا من معالم الثقافة العراقية، وهو يحمل اسم الشاعر الخالد أبي الطيب المتنبي، الذي ينتصب تمثاله شامخاً على ضفاف دجلة، فيلتف حوله المريدون، كما لو أنه على موعد معهم ليلقي إحدى قصائده المدوية.

شبه جزيرة معزولة
هذا الشارع النابض في قلب بغداد، الذي يعود تاريخه الى اواخر العصر العباسي يصفه البعض بأنه يشبه جزيرة معزولة عن عراق العنف والتعصّب، رغم أنه قد تعرّض لهجمات الارهابيين أكثر من مرة وسقط فيه شهداء كثيرون ممن كانوا يكتبون ويرسمون ويغنّون للوطن، بينما ظل هذا التوصيف هو الأقرب لحياة هذا الشارع، وقوة حضوره في وجدان المثقفين والفنانين وأهل الكتب والمطابع، حيث يحتضنهم جميعا بلا مائز سياسي أو طائفي أو ديني، أو عِرقي.
الجميع في شارع المتنبي مواطنون وديعون مأخوذون بسحر الكلمة، واللوحة المبهجة، والكتب المرصوفة على جانبي الشارع، فضلا عن المكتبات التي تضم آلاف الكتب والمخطوطات، في حين المطابع لا تفتر عن طباعة ما هو جديد، كما المقاهي لا سيما مقهى الشابندر لا يتعب العاملون فيها من توزيع الشاي على الوافدين.

زحام شديد
ما أصعب السير في شارع المتنبي لشدة الزحام ـــ كتفاً لكتف ـــ وأنّى يمنحك الماشون فيه فرصة تأمل لترى، وتتصفح وتسمع إذا ما كنت بينهم ماضياً الى مكتبة أو مقهى، أو فعالية ثقافية أو موسيقية تحتشد جميعها في هذا الشارع منذ الصباح.
كان الطقس ربيعياً ـــ ساعة تجوالنا ـــ في شارع المتنبي لم يخلُ عند الصباح الباكر من لسعة بردٍ سرعان ما تنشغل عنها بمحاولة شق طريقك بين الحشود المتدفقة تباعاً ـــ نساءً ورجالاً، شيباً وشبانا ـــ يقطع جريانهم بين الفينة والفينة رجال الشرطة بإجراءات لتفتيش التي لا تثير حفيظة أحدٍ، طالما يدرك الجميع ضرورتها، وهم يعاينون موجاً بشرياً لو أصابته متفجرة إرهابية ـــ لا سمح الله تعالى ــــ فسيكون حصادها مئات القتلى.

لا فسحة بين الجانبين
لا فسحة بين جانبي الشارع بسبب الكتب التي آثر أصحابها بيعها على الرصيفين، في حين تقف خلفها بوابات المكتبات مشرعةً، بينما يتوسط العابرين باعةٌ كثر للعصائر والمكسّرات، يتوقف عندها كثيرون فيزيدون المشهد اختناقا، تقطعه صيحات كثيرين أيضا بعبارات الاستنكار والغضب أحياناً.
أزقة جانبية لا تعلم ـــ أول وهلة ـــ لِمَ يكتظُّ فيها الناس؟ حتى تلتحق بهم لتجدها مفضية الى باحات واسعة تتنشر فيها المقاعد والطاولات التي يطوف في وسطها حاملو «استكانات الشاي والقهوة والحامض»، ليوزعوا على الجالسين المنشغلين بالنقاشات الحادة عند هذه المجموعة، والهادئة عند مجموعة أخرى ممن تحلّقوا إلى طاولات دائرية أو مستطيلة.

الموصل حاضرة
جلسنا مع كثير من هؤلاء، لنسمع ما يقول بعضهم لبعض، فكان الربط صعباً بين الموضوعات مثار النقاش، لأنها متوزّعة تماما على هموم مختلفة، واهتمامات مختلفة، تلك مجموعة مشدوهة بالحوار حول معركة الموصل وما بعدها، وأخرى منشغلة بالهم الثقافي والفني، وثالثة بالرؤية الى مستقبل البلاد ومصير الساسة المتناكفين برسم المصالح الضيقة في الانتخابات المقبلة.
والمركز الثقافي البغدادي هو الآخر يتدفق من بوابته المطلة على الشارع مجموعات، بعضها خلف بعض، وكنا من بينهم لنجد انفسنا امام تجمعات اخرى عند بوابات منتشرة على باحة هذا المكان، في حين تقودك الى هذه البوابات اعلانات وصور لفعاليات مختلفة: موسيقى، إحياء مناسبات، معارض للرسم، احتفالات بأعياد المواليد، وغير ذلك كثير.

شعراء وأطباء
ومبنى القشلة الذي لا يبعد سوى خطوات مطل من طرف الرصافة على الكرخ عبر نهر دجلة لا يقل زحاماً عن الأماكن الأخرى المرتبطة بشارع المتنبي، بيد أن فسحة الحدائق التي تسوّرها جدران هذا المبنى الذي كان يسمى «لسراي»، أي مربض الجند في العهد العثماني تمنح ـــ هذه الفسحة ـــ الداخلين إلى هذا المكان فرصة التجوال بهدوء، حيث تلتئم مجموعات متناثرة على الحدائق بعضها على وقع الراهن العراقي، وآخر لقراءة الشعر بحضور عدد من النقاد الذين لا يرحمون من أخطأ أو التبست عليه لغته لعدم اكتمال تجربته الشعرية، لا سيما من شريحة الشبان والشابات الذين قصدوا هذا المكان ليسجلوا حضوراً بلا تردد، بما كتبوا، بينما ينشغل بعض الرسامين برسم ما يحلو لهم بما في ذلك الرسوم الشخصية بالرصاص لمن يرغب من الحاضرين في مقابل مبالغ مالية لا يحددها أغلبهم ليترك لمن شاء رسم صورته تقييم العمل.
وقد كان لافتاً حضور العاملين في حقل الطب، قصدوا المكان بزيهم الطبي حاملين معهم أجهزة ضغط الدم والسكر لاجراء فحوص لمن يرغب، خاصة المرضى الذين لم يمنعهم المرض عن الاتيان الى هذا المكان.
ومن وسط هذا المبنى الفسيح تمكنك رؤية تمثال الشاعر أبي الطيب المتنبي عالياً، واقفاً على سفح دجلة حتى يُخيّلَ لمن قرأ لهذا الشاعر الخالد أنه يردد أمام المتحلّقين حول تمثاله:
وما الدهرُ إلا من رواة قصائدي
إذا قلتُ شعراً أصبح الدهرُ مُنشِداً
لدى وقوفنا مع الواقفين جنب التمثال كان حضور مراسلي الفضائيات ملحوظا، بينما كان بعض مراسلي القنوات الأجنبية والغربية منها بالتحديد يؤثرون التقاط صور لهم الى جانب التمثال، حالما يتحدث إليهم باللغة الانكليزية أحد الواقفين، عن هذا الشاعر الذي طبع اسمه باعتزاز على هذا الشارع الحيوي، النابض بالحياة والتنوع الثقافي.. إنه شارع المتنبي.