القبس

القائمة الرئيسية
الرئيسية / القبس الدولي / جيش روسيا الجديد قراصنة أنترنت

جيش روسيا الجديد قراصنة أنترنت

سيرغي شويغو


سليمة لبال |

تندرج عمليات القرصنة الإلكترونية، التي ترعاها موسكو ضمن عقيدة عسكرية روسية جديدة، تعتمد على ردود عسكرية لا تناظرية، ووقودها الحروب الالكترونية الفعالة، ورغم نفي روسيا اي تورط لها في انتخابات الرئاسة الأمير\كية، أكدت 17 وكالة استخبارات اميركية ان عمليات القرصنة التي استهدفت الولايات المتحدة خلال حملة الانتخابات الرئاسية، تمت انطلاقا من روسيا، فكيف نشأ هذا الجيش من القراصنة الروس؟ وما علاقتهم بالجيش النظامي؟

حُرم فلاديمير بوتين من القدرات الضخمة التي كان يتوفّر عليها المجمّع الصناعي العسكري السوفيتي، لذلك بحث طويلا عن مجال أقلّ كلفة، يسمح للروس بتجاوز الأميركيين، ومن هنا خطرت على باله فكرة الردّ اللاّتناظري أو الرد غير التقليدي على الولايات المتحدة.
ويندرج هذا الرد منذ 2014 ضمن عقيدة عسكرية روسية، صمّمها قائد الأركان الروسي فاليري غيراسيموف، وتقوم هذه العقيدة على ردود عسكرية لا تناظرية، أي على حرب هجينة، تعتمد على فعالية الحرب الالكترونية.
قامت روسيا باختبار هذه العقيدة الجديدة على جيرانها، قبل ادراجها ضمن خطتها العسكرية، حيث طبقتها في استونيا في عام 2007 ثم جورجيا في 2008، فأوكرانيا في 2014. وقد سقطت هذه الدول الثلاث ضحية هجمات الكترونية كبيرة من طرف روسيا، وقد خبر العالم القدرات الروسية الجديدة خلال الحملة الرئاسية الأميركية، حيث اتفق خبراء الأمن الالكتروني الغربيون بعد تعقبهم للهجمة الالكترونية التي استهدفت اللجنة الوطنية لحزب الديمقراطيين على تورط مجموعة قراصنة يطلق عليها اسم «فانسي بير».
وهذه المجموعة غير الرسمية، التي أسست في عام 2007، هي المسؤولة أيضا عن نشر معلومات سرية في الخريف الماضي عن رياضيين أميركيين ردا على فضيحة تناول رياضيين روس للمنشطات ومجموعة فانسي بير متورطة أيضا في هجوم استهدف في نوفمبر الماضي الخوادم التابعة لمنظمة الامن والتعاون في اوروبا.

فضاء الأنترنت المظلم
وتجول مواهب مجموعة فانسي بير منذ فترة طويلة في الإنترنت المظلم أو دارك نت، وهو مصطلح يطلق على الحواسيب المرتبطة بالشبكة، والتي لا يمكن الوصول إليها، وحيث يتم تبادل برامج من نوع حصان طروادة أو التصيد، وهي غالبا برامج صممها قراصنة فانسي بير، وتسبب كوابيس ومشاكل لكل المؤسسات المالية العالمية.
وإلى غاية منتصف عام 2000، كانت مواهب قراصنة هذه المجموعة تستخدم لأغراض إجرامية أو من أجل التفاخر، حيث يحب القراصنة التنافس في ما بينهم لإبراز قدراتهم على اختراق الأنظمة الحكومية الأكثر حصانة، وتطبيقاً لأنظمة الحماية.
ويعود أحد أهم أسباب ارتفاع عدد القراصنة في روسيا إلى تاريخ هذه الدولة، فانهيار الاتحاد السوفيتي، خلّف وراءه آلاف المهندسين المختصين في القضايا الأمنية، وقد تم التخلي عن هؤلاء وسط ظروف اقتصادية صعبة، مما دفع الكثير منهم إلى التوجه نحو الاقتصاد غير الرسمي عبر الانترنت، مما سمح لهم بربح المال عن بعد، من خلال تهريب المخدرات والسلاح والجنس، وأما آخرون فاتجهوا نحو تصميم برامج بديلة، تقتنيها الشركات مقابل سعر أقل، فيما تخصّص آخرون في الاقتصاد الذكي قصد الوصول إلى أسرار المنافسين.
وبسبب تأخر أجهزة الأمن في التدخل، استفاد القراصنة الروس لفترة طويلة من حصانة كبيرة، وكان يكفي أن يسجل أحدهم في أي منتدى للالتحاق بأي مجموعة قراصنة، عكس القراصنة الانجلوساكسون او الاسبان، حيث يبدو الالتحاق اكثر صعوبة.

خطر القراصنة في الكرملين
لكن الوضع تغيّر في منتصف عام 2000، حين شعر الكرملين بقوّة القراصنة والخطورة التي يمثلونها في شبكة الانترنت. ففي ذلك الوقت تكدست عائدات البترول في خزائن الدولة، التي شرعت في توقيف القراصنة وتوظيف الموهوبين منهم في عمليات تخريبية أو استخباراتية، وهكذا ظهرت أكبر مجموعات القراصنة الروس وهي شبكة راشيين بيزنس، وهي المجموعة التي صمّمت البرامج التي تم اكتشافها خلال الهجمة على استونيا وجورجيا.
وتتهم السلطات الاستونية والاميركية والجورجية، شبكة راشيين بيزنس بالتعاون، وبشكل وثيق، مع الاستخبارات الروسية.
كان وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو أول من كشف علانية عن حجم حملة توظيف القراصنة، وقال في 2013 أمام مجموعة من مسؤولي الجامعات إنه ملتزم بمطاردة المبرمجين، ولكن بكل ما تحمله العبارة من معان إيجابية.
وخلال حملة دعائية على مواقع التواصل الاجتماعي، ظهر وزير الدفاع إلى جانب حاسوب محمول ورشاش من نوع كلاشينكوف كسلاح للجندي الروسي اليوم. والمرشحون الذين لا يرغبون في الزحف على الوحل أو الثلج، اصبح بمقدورهم الآن في روسيا الالتحاق بكتيبة المبرمجين شريطة اتقان لغات البرمجة.
وفي روسيا نجد الاعلانات التي تستهدف المبرمجين الماهرين في التعرض لأجهزة الكمبيوتر في المعاهد العلمية المتخصصة في برمجة الاعلام الآلي، كما تقود هيئة الأمن الرئيسية في روسيا، التي تدعى خدمة الأمن الاتحادية لروسيا، حملة توظيف واسعة وسرية جداً في مثل هذه المعاهد، لذلك لا احد يعرف ما الذي تعده روسيا لاعدائها.

حرب باردة
وفي مقال له نشر في صحيفة لوفيغارو، قال الاستاذ في جامعة السوربون ومؤلف كتاب «الاميركيون» اندري كاسبي، إن العالم يشهد اليوم حربا باردة جديدة بين الولايات المتحدة وروسيا تشبه ما حصل قبل 40 او 50 عاما، وأما شعلتها الاولى فتتمثل في طرد الولايات المتحدة لـ35 دبلوماسيا روسيا بتهمة قرصنة مواقع الكترونية والتأثير على اتجاهات الناخبين، وأضاف الأكاديمي ذاته «بين واشنطن وموسكو يتزايد التحدي والعداء أيضا، ففي بداية ولايته، كان أوباما يعتقد بأنه سيستطيع التفاهم مع بوتين، ولكنه اكتشف في ما بعد بأنه مخطئ، حيث حوّل ضمُّ شبه جزيرة القرم والتدخلُ في أوكرانيا والتهديدات التي تعاني منها دول البلطيق، حوّل روسيا إلى قوة خطرة في عيون الاميركيين»
ويقول أندري كاسبيان إن طرد الولايات المتحدة لجواسيس روس يشبه إلى حد بعيد عملية اتصال لأن الدافع الحقيقي لأوباما هو شيء آخر تماما. لقد فاجأ فوز ترامب المراقبين ويمكن أن يكون قد فاجأ ترامب نفسه، لكن هذا الفوز يوضح فشل أوباما، الذي قاد برفقة زوجته حملة لمصلحة هيلاري كلينتون، ورغم ذلك قرر الاميركيون غير ذلك، والنتيجة اتخاذ أوباما لسلسلة قرارات تهدف إلى إضعاف الرئيس المقبل، وأبرزها الامتناع عن التصويت لمصلحة قرار يدين الاستيطان الاسرائيلي بينما تعهّد ترامب بنقل السفارة الأميركية إلى القدس وعيّن المحامي ديفيد فريدمان المؤيد لليمين الإسرائيلي سفيرا لواشنطن في إسرائيل ومنع التنقيب عن النفط في الاطلنطي ومنطقة القطب الشمالي، على الرغم من دفاع ترامب عن الوقود الأحفوري وأمر بإحياء ذكرى بيرل هاربور بعد مرور 75 عاماً على الغارة الجوية المباغتة التي نفذتها البحرية الإمبراطورية اليابانية على الأسطول الأميركي القابع في المحيط الهادئ في قاعدته البحرية في ميناء بيرل هاربر بجزر هاواي، ما أعطى الانطباع بأن العلاقات التجارية والسياسية بين طوكيو والبيت الابيض لا يمكن التشكيك فيها، خصوصاً مع تعاظم التهديد الاقتصادي والعسكري الصيني.

حالات سابقة
1983 – بعد قضية فارويل، أبعدت فرنسا 47 دبلوماسياً روسياً. وفارويل، كان عميلاً يعمل لفائدة الـ «كي جي بيه»، واسمه الحقيقي فلاديمير فيتروف، وقد سرّب معلومات للمعسكر الغربي سمحت للاوروبيين والاميركيين بالتعرف على طريقة عمل جهاز الاستخبارات السوفيتية، مما أدى لاحقا الى انهيار المعسكر الشيوعي.
2001 – أعلنت الولايات المتحدة في هذا العام ابعاد 50 دبلوماسياً روسياً، بعد ان اتهتمهم بالتواصل مع روبرت هانسين، وهو عميل يعمل لمصلحة الـ «اف بي أي»، واوقف في فبراير من العام ذاته بتهمة بيع معلومات سرية لموسكو، ورداً على ذلك قامت روسيا بإبعاد العدد ذاته من الدبلوماسيين الذين ابعدتهم واشنطن.
2010 – اكتشف مكتب التحقيقات الفدرالي في 2010 شبكة جواسيس روس، وقد تم توقيف 10 اشخاص بتهمة تنفيذ مهمة غير قانونية على المدى الطويل لمصلحة روسيا، لكن البيت الابيض أكد حينها أن القضية لم تكن لها أي تداعيات على العلاقات بين روسيا وواشنطن.
2013 – أبعدت موسكو دبلوماسياً اميركياً، بعد ان اتهمته السلطات الروسية بمحاولة تجنيد عميل يعمل في الاستخبارات الروسية لمصلحة السي أيه أيه.

(لوفيغارو)