القبس

القائمة الرئيسية
الرئيسية / الأولى - ثقافة وفنون / في ختام السنة الدامية.. نعم الثقافة أو الجحيم

في ختام السنة الدامية.. نعم الثقافة أو الجحيم

طفل سوري كردي يجلس على مدفع دبابة في «كوباني»


مهاب نصر |
في ختام كتابه ذي العنوان اللافت «عندما يبدأ التاريخ» يكتب برتران بادي، المختص بعلم السياسة المقارنة، «وهكذا يشهد المرء بزوغ فجر تاريخ أكثر كثافة بما لا يقاس، وأكثر عالمية، وأكثر اجتماعية، وأكثر إنسانية، مهما كان مأساويا أو بقي كذلك». يأتي عنوان الكتاب وكأنه رد ضمني على أطروحة فوكوياما نهايات القرن الماضي والمعروفة بـ«نهاية التاريخ»، والأخيرة بدورها، أي أطروحة فوكوياما، كان تردد أصداء هيغل في نظرته التطورية للمجتمع الإنساني الذي سيصل إلى نقطة ينتهي فيها اغترابه، ويتطابق فيها الروح الإنساني بتمثيلاته السياسية والمؤسساتية، ويصبح الإنسان حرا لأنه يخضع للسلطة التي اختارها. يرد بادي على أطروحة أعمق هي منطق «الصراع» الذي أسس عليه مفهوم الدولة في الفكر الغربي: أن التاريخ الإنساني يتشكل من خلال الصراع، وهو ما يربط أول مشروع للدولة الحديثة بآخر تطبيق لها. لكن الخراب الشامل، والحرب التي باتت تفلت حتى من سيطرة الدول، مع بروز العولمة التي سمحت بزخم اجتماعي وأشكال من العلاقات الاقتصادية العابرة للمجتمعات مع ثبات منطق الدولة القومية القائمة على صراع خارجي، جعل الدولة تتشبث بوجودها لا من خلال ما تقدمه من منافع وأمان، بل من خلال التهديد بالخطر. استدعيت من ثم أشكال من ثقافة الهوية والاختلاف والانغلاق على الذات. عجزت الدولة عن مواجهة الإرهاب بمنطق الجيوش النظامية، تجاه نمط من الحرب مع مجتمعات لا مع دول.
عنف الدولة الغربية وسيطرتها على العالم ولّد الشعور بالإذلال، والإذلال بالمناسبة، جاء ضمن عنوان آخر ما تُرجم لبرتران بادي.
ما يلفت النظر في عمل بادي هو أنه لا يريد فقط أن يقول لنا ان عهد الدولة القومية، بمنطقها الصراعي، قد ولى، بل بتبشيره أننا أمام حقبة ينتقل فيها الزخم السياسي والفاعلية إلى المجتمعات (وهو ما شهدت به ثورات الربيع العربي وإن فشلت). وانتقال السياسة إلى المجتمعات هو ما يشهد به الجدل الحاد على مواقع التواصل الاجتماعي، والحراك الاجتماعي العائل من قبل مجموعات وأفراد صار لتوجهها السياسي وزن، حتى لو بدا سيئا.
الأسئلة التي تطرحها المجتمعات ليست تلك التي تعلمها الخبير السياسي التقليدي، بل هي تعيد السؤال عن كل القيم المتعارف عليها: العدالة، رقابة المجتمع، حرية الفرد، معنى الوطن، الديموقراطية، التنمية.
السجالات الحادة حين يمارسها الأفراد والمجتمعات تنتقل إلى مصاف الثقافة بمعناها الحقيقي؛ الثقافة كسؤال عن طريقة للعيش، لحل التناقضات، لفهم الذات والآخر. وهو ما يعني أن أشكال الثقافة التقليدية التي روّج لها في إطار نظم سياسية بدت مستقرة لعقود طويلة، لم يعد لها الثقل ذاته ولا الأهمية ذاتها. وهذا، للمفارقة، يتناسب عكسيا مع حجم الحفاوة بالأشكال الرسمية وشبه الرسمية للثقافة: الجوائز والندوات والمؤتمرات. بينما الجدل الحقيقي الذي يشكل نمط الحياة يقع خارج هذه الأشكال، مهما بدا مختلطا وعنيفا وبعيدا عن التنظيم.
لا يقدم بادي في كتبه بشرى للعالم، بل تحذيرا بأن الإصرار على نمط الحياة الحالي يوشك أن يحقق النبوءات التي طالما احتفت بها السينما الأميركية حول نهاية العالم. لكنه تحذير مبطن بأمل غامض، حيث على المجتمعات أن تأخذ زمام المبادرة، وعلى السياسي أن يدرك أن الفصل المزعوم للسياسة كعلم عن مجمل الحراك الثقافي والمجتمعي لم يعد مبررا. عودة السياسة إلى الإنسان تعني عدم انفصامها عن الثقافة بالمعنى الجذري لكل منهما (السياسة والثقافة). قد يشكل هذا أخطارا غير مسبوقة، وارتباكا وحيرة، لكن هكذا يبدأ التاريخ.