القبس

القائمة الرئيسية
الرئيسية / كتاب وآراء / رقي العالم وازدهاره

رقي العالم وازدهاره

عرفان-أمين


«الإنسانيّة شعبٌ واحد، والأرضُ وطن مُشترك للجميع».. في اواخر عام 1817 ولدت مثل هذه الرُّؤية وغيرها من أفكار مُستقبلية مُتطورة، وخاطب أصحابها العالم وقَادته في بدايات القرن الــ 19 الميلادي، حيث كانوا يغطّون في سُبات عميق، غَرقى في أحلامهم التوسعية، طارحين عليهم أفكاراً تنمويةً وخلاقة، داعين قبل أكثر من 150 عاما إلى الوحدة والاتّحاد والصلح والسلام لتحقيق رفاه وتقدم بَشرٍ عانوا ـــ وما زالوا يعانون ـــ مرارة العذاب والعنف لمُرورهم بأسْوأ الحقب التاريخية تعسّفًا وبلاء، عصور مُظلمة حافلة بالرُّعب والقتل بحُجج مُختلفة كالكُفر، ومُلاحقة البشر بِتُهم السحر والشعوذة، وتُهم واهية كثيرة استُخدمت للسيطرة على البشر والتنكيل بهم، فطُبقت على النساء اللاتي شكلن ما يُقارب %70 من ملايين البشر الذين عُذّبوا وقُتلوا في مُحاكمات صورية بشعة، كما استُغلت التُّهم الوهمية للانتقام من الخصوم وتعذيبهم بحُجة مسؤوليتهم عن الكوارث الطبيعية.
أواخر عُصورٍ قاتمة كهذه ظهر مَن ينادي بأفكار تتلألأ أنوارها في ذلك الظلام الحالك، أفكار لم تكن لتخطر على بال أحد، فبدت كأنها آتية من عالم آخر يصعب تخيله، صحوة روحانية وأخلاقية تُغيّر الكون، رُؤى تُعالج مشاكل ومعضلات تسبّبت في مُعاناة البشر وما زالت، طالبت بوحدة العالم الإنساني، وتطبيق العدالة الحقيقية، ونبذ التّمييز العنصريّ وكل أشكال التعصّبات المُدمرة، وتحقيق المُساواة بين النّساء والرّجال، واحترام حقوق الإنسان والتأكيد على واجباتِه، ونبذ الحروب وعدم تبديد الاموال على شراء وتخزين أطنان السلاح والاستفادة من الموارد المالية لتطوير المجتمعات البشرية بالعلم والمعرفة، وتربية الأطفال والتعليم الإجباري، وتعلم لغة عالمية مُشتركة لتسهيل التواصل بين الشعوب والكثير من الأفكار البناءة والمُؤثرة في الحياة الرّوحانيّة والاجتماعية والاقتصادية، رؤى تُساهم في تأمين مُستقبل افضل للجميع.
لكنّ أغلبية القادة تجاهلوا هذه الدعوات «ربما لعدم ادراك أهميتها» وتغافلوا عن تطبيقها آنذاك، فتسبّبوا في استمرار مُعاناة البشر من الكوارث والويلات المُنتشرة هنا وهناك، وانشغلوا بمصالحهم الآنية، مُتشبثين بِالسُّلطة وسُبل الاستمرار فيها! ورغم كُل ذلك فما زالت آمال الناس مُعلّقةً اليوم بهذه الأفكار البناءة لمرور العالم بِأوضاع حرجة واقتراب الدول وأنظمتها الاجتماعيّة والأخلاقيّة والاقتصادية من حافة هاوية الانهيار نتيجةً لأطماع وتصرفات بشرية خلقت الحالة الكارثية التي نعيشها اليوم التي تم التحذير من أخطارها قبل أكثر من 150 عاما، فهل تعلمنا الدرس؟
نُحلّق في سماء الخيال لنرى ما كان مُقدراً لحال العالم بتنفيذ هذه الرُّؤى الخلاقة آنذاك، لنستفيق قبل فوات الأوان ونبدأ بالتنفيذ اليوم، فلم يعد اتّحاد العالم والسلام أهدافاً مثالية فحسب، بل أصبحت ضرورة تستلزمها المصالح الحياتيّة لبني البشر وحجر الزاوية في عملية بناء مُستقبل واعد، لا يسعنا إلا التفاؤل والثّقة بعقلانية البشر والتزامهم بخلق مستقبل زاهر للعالم، والإبحار بمركب البشرية الى بر الأمان للعيش برفاهية وسلام.
عرفان أمين

عن عرفان أمين