القبس

القائمة الرئيسية
الرئيسية / كتاب وآراء / اتجاهات / ماذا أغضب إسرائيل في القرار 2334؟

ماذا أغضب إسرائيل في القرار 2334؟



هناك دراما هائلة قادت إلى إصدار قرار مجلس الأمن رقم 2334 الذي يعيد التأكيد على عدم شرعية الاستيطان.
وقد بدأت الدراما حين بدا واضحاً ان المصريين سيقدمون مشروع القرار حول الاستيطان للتصويت في مجلس الأمن، وأن إدارة أوباما ستؤيد القرار، إما بالتصويت بـ«نعم» أو بالامتناع عن التصويت.
وتسربت يوم الأربعاء تلميحات مختلفة، ليخرج الناطق باسم البيت الأبيض على إحدى الفضائيات ويصف المستوطنات الإسرائيلية باللاشرعية، وهو الأمر الذي يحدث لأول مرة منذ إدارة كارتر، وتبع ذلك تصريح للناطق باسم الخارجية الأميركية بأن جون كيري سيلقي خطاباً سياسياً عشية التصويت في مجلس الأمن على قرار إدانة الاستيطان.
ودخل الرئيس المنتخب على الخط بتغريدة قال فيها ان «القرار الذي يجري بحثه في الأمم المتحدة حول الاستيطان يجب إفشاله بالفيتو». وفعل الشيء ذاته رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو. وذكرت تقارير ان الرجلين اتصلا بالرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ومارسا الضغوط عليه ليسحب مشروع القرار، ورضخت مصر وسحبته، وفجأة ألغي الخطاب الذي كان كيري سيلقيه.
عمل استفزازي
وفي وقت لاحق من يوم الخميس، وجهت نيوزيلندا بالتعاون مع فنزويلا وماليزيا والسنغال وبدعم من منظمة التحرير الفلسطينية، إنذاراً لمصر بأنها اذا لم تطرح مشروع القرار للتصويت فوراً، فإن الدول الأربع ستفعل ذلك. وتقدمت مجموعة نيوزيلندا لطرح المشروع على التصويت يوم الجمعة. ورداً على هذا التطور، تصاعدت التهديدات من إسرائيل والرئيس الأميركي المنتخب وعدد من أعضاء الكونغرس.
واجتمع مجلس الأمن عند الساعة الثانية بعد الظهر، وصوّت 14 عضواً لمصلحة تأييد القرار، وامتنعت الولايات المتحدة عن التصويت، ولم يعارضه أحد، فانفجرت قاعة المجلس بالتصفيق الحاد.
وردّ الرئيس المنتخب بالتهديد بأن «الأمم المتحدة ستكون مختلفة بعد العشرين من يناير». ووصف عضو مجلس الشيوخ لينديس غراهام القرار بانه «عمل استفزازي، يجب التعامل معه بحزم وقوة»، وهدد بقطع المساعدات الأميركية للمنظمة الدولية. وجاءت ردة فعل نتانياهو على نحو هستيري، ووصف القرار بـ«المشين» واتهم إدارة أوباما «بالتآمر ضد إسرائيل»، وأعلن ان إسرائيل لن تلتزم بهذا القرار.

انتهاكات للقانون الدولي
وإذا نظرنا الى نص القرار 2334، يعجب المرء من كل هذه الضجة المثارة حوله، فهو تأكيد على احد ثوابت السياسة الأميركية تجاه الصراع العربي – الإسرائيلي منذ عقود. وهو تأكيد لإحدى قواعد القانون الدولي بعدم جواز الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة، وتأكيد لانطباق ميثاق جنيف الرابع على أي أراضٍ محتلة. وإذا نظرنا إليه من هذا المنظور، فإن القرار يؤكد ان مصادرة إسرائيل للأرض وبناء المستوطنات عليها ونقل السكان الى الأراضي المحتلة، تمثل كلها انتهاكات للقانون الدولي.
ويذكّر القرار كلاً من الإسرائيليين والفلسطينيين بالتزاماتهما وفقاً لعملية مدريد وخريطة الطريق التي وضعتها اللجنة الرباعية، لا سيما الإشارة الى ان المستوطنات تهدد حل الدولتين والمفاوضات السلمية لحل الصراع، كما يذكّر الفلسطينيين بأن عليهم مسؤولية التنديد بكل أشكال العنف ضد المدنيين أو التحريض عليه.
وقد تجد من لا يعير قرار 2334 اهتماماً باعتباره قراراً آخر من قرارات الأمم المتحدة التي صدرت بلا أسنان، وسوف يتم تجاهله مثلها. ولكن قرار الجمعية العامة للشهر الماضي والذي تم تمريره بأغلبية 153 صوتاً مقابل ثلاثة أصوات حول الاستيطان، والآن قرار 2334، يؤسسان لعالم موحّد في جبهة واحدة ضد سياسات إسرائيل الاستيطانية، ويهددان بمزيد من العزلة لإسرائيل ولإدارة ترامب، على نطاق عالمي.

تصريحات جوفاء
وما يتضح من ردود فعل نتانياهو وترامب هو انه على الرغم من تصريحاتهما الجوفاء، فإنه لا نية لهما لدعم تسوية عادلة للصراع، ومن الواضح انهم لا يعبآن بما يفكر به العالم. وقد يكون هذا ما توقعناه، وما نشهد تفاعلاته قبل شهر واحد من تسلم إدارة ترامب مقاليد السلطة.
فالتهديد إن صح، ربما أخاف مصر، لكنه لم يثن العالم عن التحدث بصوت واحد ضد الاستيطان، وهذا ما يتعيّن على كل من إدارتي ترامب ونتانياهو ان تأخذاه بعين الاعتبار، وفي الوقت الذي تمضي فيه إسرائيل قدماً في مشاريع اضفاء الصبغة الشرعية على البؤر الاستيطانية، ويواصل ترامب عزمه تحدي العالم ونقل السفارة الأميركية الى القدس، ويبحث الكونغرس قطع المساعدات للأمم المتحدة، فإنهم يغامرون بإثارة السخط العالمي وتوتر العلاقات مع الحلفاء وربما التعرض لعقوبات دولية.
هذه الدراما سوف تستمر في العام الجديد، لكن الثالث والعشرين من ديسمبر 2016 سيظل يوماً مشهوداً في تاريخ المنظمة الدولية.
د. جيمس زغبي *

* رئيس المعهد العربي الأميركي في واشنطن

عن د. جيمس زغبي