القبس

القائمة الرئيسية
الرئيسية / دراسات / وثيقة جديدة حول المدرسة المباركية

وثيقة جديدة حول المدرسة المباركية

عبدالله بن محمد الفوزان
عبدالله بن محمد الفوزان


سبق ان نشرنا في عدد اكتوبر 2006 من «رسالة الكويت» ان الشيخ ناصر المبارك الصباح لما اقتنع بفكرة انشاء المدرسة المباركية كتب الى عدد من اعيان البلاد مجموعة من الرسائل في اكتوبر 1911 يدعوهم فيها الى المساهمة والدعم لهذه المدرسة، وقد جاء فيها: «ان يوسف بن عيسى مراده ان يسعى في اقامة مدرسة علمية تجمع ثلاثة اشياء، مدرسا متفننا بالعلوم الدينية، عملا ونقلا، ومعلما للقرآن الشريف بطريق التجويد لأولاد المسلمين مجانا، وكاتبا أديبا يعلمهم الكتابة والحساب وعلم الادب واشعار العرب، فنرجوكم المساعدة بالمال والمقال.. وادخلوا بها ما شئتم من العلوم الاجنبية، والله سبحانه وتعالى الموفق».

وبناء على هذه الرسالة التي وصلت منها نسخة الى السيد حمد الخالد بادر بالكتابة الى أخيه عبدالرزاق الخالد في بومبي يخبره فيها عن نية اهل الكويت انشاء مدرسة عصرية، وطلب منه دعوة تجار الكويت والعرب المقيمين في بومبي والهند الى التبرع لهذه المدرسة، وقد اجابه السيد عبدالرزاق الخالد في 30 من نوفمبر 1911 برسالة اوردنا صورتها ومضمونها في {رسالة الكويت}، تبين فيها نية الشيخ جاسم الابراهيم والشيخ عبدالرحمن الابراهيم التبرع بمبالغ كبيرة للمدرسة المذكورة.
ويبدو ان السيد عبدالرزاق الخالد لم يقتصر في دعوته على ما جاء في تلك الرسالة، بل تابع الامر مع عدد من التجار الموجودين في الهند وفي بومبي على وجه الخصوص، ومنهم السيد عبدالله بن محمد الفوزان، الذي كان آنذاك من اشهر التجار المقيمين في بومبي، والوثيقة التي نقدمها في هذه المقالة تبين ان كلاما قد تم بين الاثنين حول التبرع للمدرسة، وبناء عليه كتب السيد عبدالله الفوزان هذه الرسالة الى عبدالرزاق الخالد الذي كان في وقتها بالكويت، يتكلم عن موقف بعض التجار العرب من التبرع، ويشير في الوقت نفسه الى وصول الاستاذ محمد رشيد رضا الى الهند بدعوة من العلماء في لكهنو، وان في نيته المرور بالكويت في طريق عودته الى مصر.

سيرة الفوزان
ولد عبدالله بن محمد الفوزان في بلدة عنيزة في اوائل الستينات من القرن التاسع عشر، وقد نشأ في تلك البلدة وتعلم فيها، وفي سنة السابعة عشرة بدأ في صحبة والده في اعماله التجارية ورحلاته
ما بين نجد والكويت والعراق والهند، وليتيح لوالده الاستقرار من عناء تلك الرحلات ومشقتها بقي هو في الهند ليتابع اعمال والده ويزوده باحتياجاته المختلفة، وكان كغيره من تجار الخليج والجزيرة العربية المقيمين في الهند، يستوردون للهند التمور التي تحملها سفن الكويت خاصة من جنوب العراق ليبيعها في موانئ الهند المختلفة، ولهذا كانت علاقته بتجار الكويت وثيقة، اما البضائع والمؤن التي كان يصدرها الى نجد والى شرق الجزيرة العربية فكانت المواد الغذائية على اختلاف انواعها والاقمشة وغير ذلك مما تتطلبه الاسواق آنذاك.

مكتبه في الهند
وقد اصبح مكتبه في الهند مدرسة تخرجت فيها مجموعة من الاعلام الذين عملوا عنده فترة من الوقت، فاستفادوا من مهنيته الاقتصادية وخبرته الادارية، منهم الشيخ عبدالله السليمان الذي اصبح الوزير الاول لدى الملك عبدالعزيز، والمسؤول الرئيسي عن الشؤون المالية عنده، ومنهم ايضا سليمان بن صالح الدخيل، وهو اول من عمل في المجال الصحافي من ابناء نجد، وقد عاش بعد ذلك في بغداد، واسس فيها جريدة الرياض الاسبوعية وجريدة الحياة الشهرية (1327 هـ) وله العديد من المؤلفات والبحوث الخاصة بتاريخ الجزيرة العربية وانسابها، ومنهم كذلك الاديب الشاعر خالد بن محمد الفرج الذي اسس المطبعة السعودية في الدمام واصبح رئيساً لبلدية القطيف، ومحمد المبارك مدير مالية الاحساء في عهد الملك عبدالعزيز،  وغيرهم الكثير ممن تعلموا تحت رعاية عبدالله الفوزان اصول الادارة الحديثة، وقبل ذلك اكتسبوا منه صفات الامانة والاخلاق القويمة، وكان عبدالله الفوزان معتمد الملك عبدالعزيز في الهند، وذلك لمكانته في تلك البلاد وصلته برجالها.

صلته بالكويت
اما عن صلته بالكويت فإن ثلاثة من ابنائه، هم: خالد وعبدالعزيز ومحمد امهم كويتية، وقد ولدوا في الكويت وعاشوا فيها، وتوفاهم الله فيها، وذريتهم الصالحة من خير ابناء الكويت الآن. كما ان ثلاثاً من بناته زوجهن من ابناء تجار الكويت المقيمين في الهند آنذاك، هم: محمد المرزوق وصالح العلي الشايع، وسليمان الهارون.
وقد توفي عبدالله بن محمد الفوزان في بومبي عام 1960 عن عمر يناهز مئة عام، وقد مشى في جنازته آلاف المشيّعين من المسلمين وعدد لا يحصى من اهل الديانات الاخرى، ونعته الجرائد الهندية، وعقد المجلس البلدي في بومبي جلسة خاصة لتأبين الفقيد، اشاد فيه الخطباء بمناقبه، وانهم يفخرون باقامة شخص مثله في بلادهم.

مضمون الرسالة
أرسلت هذه الرسالة بتاريخ 16 من ربيع الثاني عام 1330ه‍ (4 من ابريل 1912م) من بومبي، حيث اقامة الشيخ عبدالله الفوزان الى الكويت، يفيده فيها بانه قد تسلم رسالته الاخيرة، ويدعو الله تعالى في بدايتها بالخير والعافية لصديقة وان يديم عليه الأنس والسرور في بلده، خاصة ان اغلب اقامته كانت خارج البلاد، ثم يتكلم عن موضوع اعانة المدرسة (المباركية) فيذكر ان سبب تأخيرها كان الحاج مساعد الزياني (وهو احد تجار البحرين المعروفين)، فكلما ذكرناه بشأنها ابدى أعذاراً، ثم نقنعه فيعود مرة اخرى.
وفي المرة الاخيرة كنا في محل الشيخ عبدالرحمن (الابراهيم) واشرنا اليه (ذكرناه) فقال: ان كان عندنا شيء فسوف نعين به مدرستها (في البحرين) ولا تتأمل في احد من البحرين يعاون في شيء، ويبدو انه قد تكلم في هذا الامر مع آخرين، فقد اخبرني احمد ابو شقر مثل قوله، وانه اذا كان مساعد لم يدفع شيئا فلا نستطيع ان نتقدم عليه.
ويبدو من هذا الحديث ان الشيخ عبدالله الفوزان كان من المتبرّعين والداعين الى التبرع بين التجار العرب في الهند، فبعضهم تفضل بالتبرع والبعض الآخر تردد في التبرع، كالحالة التي اشار اليها في رسالته. ولكنه مع ذلك، وهو من منطلق اخلاقه الرفيعة، يحاول ان يجد لهم العذر في ذلك فيقول: «وربعنا مثل ما تعرف جنابك ما اعتادوا على هكذا امور، فهُم أجواد وكرام، ولكن مسألة التعاون ما لها عندهم محل، والاعانات قد تراكبت عليهم، كل واحدة فوق الثانية، وما هنا اهم من مسألة طرابلس، وقائمين عليها حضرات المشايخ قصّر عما املنا نحو 15 الف روبية ولم يحصلوها من اكثر الناس الا بعد التعب الشديد، ومع شدة الحاجة اليها ما صدرت الا بالأسبوع الماضي. فأنتم أخّروا المسألة الى السنة المقبلة، والله تعالى يلحق الجميع خيراً».

غزو طرابلس الغرب
ومسألة طرابلس (الغرب) التي تحدث عنها الشيخ الفوزان، هي حادثة الغزو الايطالي الاراضي الليبية في الثالث من اكتوبر 1911م، فقد بدأ ذلك الغزو بدعوى ان الايطاليين قد جاءوا لتحرير الليبيين من الحكم العثماني، لكن أطماعهم قد ظهرت من الايام الاولى، بعد ان قصفوا طرابلس وطبرقة بالمدافع، وحظي الاسطول المتجه الى ليبيا باحتفالات كبيرة، وبارك رجال الدين البحارة والجنود في احتفالات دينية وزعت خلالها الصلبان عليهم هدية من البابا.
وبدأت المقاومة المسلحة الليبية الشاملة ضد تلك القوات الغازية، فووجهت بمزيد من التنكيل بالاهالي وتدمير بيوتهم ونهب ممتلكاتهم، ومن ذلك ان القوات الايطالية أبعدت في 26 من اكتوبر من تلك السنة اكثر من خمسة آلاف ليبي الى الجزر الايطالية.
وقد اثارت تلك الاعمال العالمين العربي والاسلامي، فهبوا يجمعون التبرعات لدعم اخوانهم المجاهدين ولينصروهم على الغزاة، وكانت بالفعل من القضايا التي انشغل بها العالم الاسلامي انشغالا كبيرا، وخصصت مجلة المنار التي يصدرها محمد رشيد رضا صفحات كثيرة للحديث عن هذه الكارثة التي حلت بهذا البلد العربي المسلم.
وقد ذكر محمد رشيد رضا في مذكراته ان القائمين على مدرسة عليكرة كانوا يرغبون في تحويلها الى جامعة، وجمعوا من المال اكثر من مئتي الف جنيه انكليزي، وانهم تبرعوا بذلك المبلغ لاعانة الدولة العثمانية على الحرب في ليبيا.
وهذا يؤكد ان عذر الشيخ الفوزان في انصراف تجار الخليج عن التبرع للمدرسة المباركية كان له ما يبرره.

زيارة محمد رشيد رضا وجولته الخليجية
والفائدة الثانية الواردة في رسالة الشيخ عبدالله الفوزان تتعلق بزيارة الاستاذ محمد رشيد رضا الى الهند، فقد ذكر انه وصل قبل عشرة ايام، وساح في اكرا ودهلي ولاهور، وانه سيحضر حفلة او اجتماع ندوة العلماء في لكنهو الذين دعوه الى الهند لحضورها، وسيكون هو رئيس الاجتماع الذي سيستمر ثلاثة ايام، وسيحضره خلق كثير من علماء الهند وذواتهم. وانه بعد هذا الاجتماع، ان لم يرغبوه في زيارة بعض الامارات الهندية، فهو في نيته الذهاب الى مسقط، ثم يمر بالكويت والبصرة وبغداد، ومنها يتوجه عن طريق حلب (إلى مصر).
وذكر الفوزان انه في زيارته للكويت يفيد المدرسة (المباركية)، ويطلع على احوال البلاد واهلها، وربما إذا رأوه يزول سوء الظن منهم، «لأنني سمعت من بعضهم انه قليل الديانة، الى حد انه يشرب الدخان في رمضان، والحال في عمره ما شربه».
وفي ما يتعلق بهذا الجانب من الرسالة، يمكن الاطلاع على تفصيلاته في كتاب «رحلات الامام محمد رشيد رضا»، فقد خص هذه الرحلة بصفحات عدة من الكتاب المذكور. وكانت رحلته الى الهند بدعوة من جمعية ندوة العلماء في لكنهو بالهند، وقد سافر إليها بالباخرة في 23 من ربيع الأول 1330 هـ. وعند وصوله ميناء بومبي كان في لقائه جمع كبير من مسلمي الهند ومن الجاليات العربية في الهند، وكان من بينهم كما ذكر محمد رشيد رضا الشيخ عبدالله الفوزان. وقد اقام في بومبي بضيافة التاجر المعروف جاسم بن محمد آل ابراهيم الذي خصص له سيارة خاصة لتنقلاته خلال اقامته في بومبي. وبجانب حضوره للاجتماع الذي كان مدعوا من اجله فقد التقى بكثير من علماء الهند، والقى عددا من المحاضرات عن التربية والتعليم ووسائل النهوض بالدعوة الاسلامية، كما اكد ضرورة الاهتمام باللغة العربية لغة القرآن.

الرحلة إلى الكويت
وذكر من الكويتيين الذين التقاهم هناك بجانب الشيخ جاسم آل ابراهيم وعبد الله الفوزان كلا من الشيخ عبدالرحمن الابراهيم ويعقوب الابراهيم ومحمد المشاري رئيس شركة البواخر العربية.
وقد غادر الاستاذ محمد رشيد رضا بومبي الى مسقط في التاسع من شهر جمادى الاولى، وكان في نيته ان يستقل احدى بواخر شركة  البواخر العربية الى مسقط، ولكن ذلك لم يكن ممكنا، لقد كان عليه ان ينتظر اياما طويلة، فركب باخرة انكليزية اوصلته الى هناك، حيث استقبله زورق تجاري ارسله السلطان فيصل، سلطان عمان، وكان في استقباله السيد يوسف الزواوي، وهو من كبار سادات مسقط وتجارها، وكان مرافقا له طوال مدة اقامته التي امتدت نحو اسبوع، ثم غادر مسقط الى الكويت، وفيما يلي جانب من نص حديثه عن رحلة الكويت: «جرت السفينة بنا من مسقط ظهر يوم الاثنين، وهي انكليزية تقطع في الساعة 12 ميلا فقط، وفي ضحوة اليوم الثاني خرجت بنا عن محاذاة جبال عمان ودخلت الى الخليج فصرنا نرى بر فارس عن اليمين وبر العرب عن اليسار. ووقفت بنا فجر يوم الخميس في موضع من عرض البحر كان ينتظرنا فيه مركب شراعي كبير ارسله الينا الشيخ مبارك الصباح صاحب الكويت. وكان علم بأننا نصل اليه في هذا الوقت في هذه الباخرة مما كتب اليه من بومبي ومسقط، فنزلنا فيه قبل طلوع الشمس فأقلع بنا والريح لينة والبحر رهو، ثم قويت الريح قليلا في النهار فبلغ بنا الكويت قبل غروب الشمس.

مجالسة الشيخ ناصر
وكان رجال الشيخ مبارك حملوا فيه خروفين كبيرين وكثيرا من الحلوى والمشمش والخيار، فأفطرنا وتغدينا فيه، (وقد اعجبني جدا طبخ الطاهي الذي كان معهم للخروف بالرز الهندي، وهو طاه متفنن، وطبخ للعشاء ألوانا متعددة لئلا نتأخر الى الليل فبقيت للبحارة)، وقد استقبلنا اولاد الشيخ مبارك وبعض الوجهاء في زورق صغير خارج الميناء.
انزلني الشيخ مبارك في قصره الجديد الذي هو قصر الامارة، وتولى مؤانستي ومجالستي في عامة الاوقات نجله الشيخ ناصر رئيس لجنة مدرسة الكويت، لانه هو الذي يشغل عامة اوقاته في مدارسة العلم ومراجعة الكتب حتى صارت له مشاركة جيدة في جميع العلوم الاسلامية، واقمت في الكويت اسبوعاً، كنت كل يوم – ما عدا يوم البريد – القي خطاباً وعظياً في اكبر مساجد البلد فيكتظ الجامع بالناس، وكان يحضر مجلسي كل يوم وليلة وجهاء البلد من اهل التقوى وحب العلم يسألون عما يشكل عليهم من امر دينهم، واما الشيخ ناصر فكان يسأل عن دقائق العلوم في العقائد والاصول والفقه وغير ذلك، على انه لم يتلق عن الاساتذة، فهو من مظاهر الذكاء العربي النادر.
ومما احب ان اذكره هنا – وهو من مباحث الرحلة – مسألة علاقة الشيخ مبارك بالدولة العثمانية والانكليز، كنا نسمع المنافقين لرجال الدولة يصفون صاحب الكويت بالخيانة للدولة ويعيبونه بطلب حماية الانكليز له، فسألته عن ذلك فقص عليّ قصة سألت عنها بعد ذلك السيد رجب نقيب البصرة مندوب الحكومة إليه فيها، فكان جوابه موافقاً لجواب الشيخ مبارك. ثم ذكرت ما قاله للشيخ فهد بك الهذال شيخ قبائل عنزة في العراق، اذ كنت في ضيافته على نهر الفرات مع صديقي مراد بك (أخي محمود شوكت باشا) فصدق ما قاله الشيخ مبارك وزادني فوائد هو اعرف الناس بها.

إعداد أ.د. عبد الله يوسف الغنيم
(رئيس مركز البحوث والدراسات الكويتية)